|   

قصة - جميلة

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: مدحت جاد الرب 

لا تنسى... لا تنسى. أخلفتُ وعدي لها ونسيتُ. ما أعجب ما يتركه لنا الخريف مِن أوراق مبعثرة مجرد لقطات مِن عمر مضى. أراها معي؛ صغيرين نتسلق شجيرات على حافة النهر، أو نتقاذف الحصى على حافة الصحراء- تلك القرية الواحة الحانية القاسية تقسم قلوب أهلها نصفين- التقط ورقة أخرى؛ صورتنا الأولى قديمة قِدَم أبطالها؛ أطفال أولى ابتدائي. أين ذهبت تلك البهجة؟ أميز جميلة؛ لا بالملامح بل بالحياة المطلة من عينيها. تغيب وأغيب، ثم أعود فأجدها قد جاوزتني إلى الصبا. أمازحها، فتغضب؛ «بقى دمك سم زي المصراوية». أحايلها، فترضى وتحكي لي عما فاتَني مِن أخبار الناس والمكان. تصمت قليلاً، ثم تسأل: «مصر أحلى مِن بلدنا؟».

ويدور الحكي ثانية ثم يعود الغياب. كم سقط في المنتصف مِن الأوراق والسنين؟ لا أدري... كل ما أذكره أنها لم تكن هناك حين عدتُ- أسأل ولا أجاب- ألح في السؤال فتأتيني شذرات من إجابة: «رأوا من تشبهها في أحضان غريب». منعها أبوها الخروج حتى يتبين أمره. هل فعلتها جميلة؟ هل ضمّها غريبٌ عنا؟ أعرف أنها لن تكذبني لو سألتُها. لكن جدران دارها تمنعني.

رؤوس تتداخل وهمهمات أينما ذهب الأب- ابتسامة السلام عليه لا تخلو من لوم خفي على ما فرّط في عرضه- طفحت قسوة الصحراء في قلبه وقلوبهم، فانهال بعصا عمياء على الصبية المذعورة. تولول: «والله ما حصل يابا»، ولا مغيث- غريب- كيف تغير الحياة ما نظنه في مصائرنا في لحظة؟ العصا اختارت عين جميلة لتخرقها. صارت العينُ بلا حياة، بلا ملامح. أيقظت صرخةُ البنت والأم قلبَ الأب، فتوقف، لكن بعد فوات الأوان. كل ما استطاع أن يقدمه لها الأطباءُ غطاء أسود لتداري به مأساتها.

تغيب عني الذكرى وأعود بعد عام أو عشرة لا يهم. كل يوم أسمع صوتاً في المغارب حين يعود الكادحون مِن الحقول يأتي مِن طرف القرية الغربي حيث الصحراء مسكن الجان، كما كنا نظن صغاراً. «مش مسمحاك يابا. مش مسمحاكم يا ظلمة». صوتٌ يشبه صوتها. أتغلب على خوف الطفولة، أذهب إلى حيث يأتي الصوتُ، فلا أجد شيئاً. ألمح طيفاً بين الشجيرات العجفاء. أعرف هذا الوجه حتى لو ملأته الأحزان. أعرف الحياة المطلة حتى من عينها الواحدة.

تجلس بجواري. تسألني لماذا تركتها وحدها؟ لا تنتظر مني إجابة. هي فقط تريد من يسمعها؛ وجهاً يعرفها لا يجفل مِن مرآها. رحلت عن دار أبيها واستوطنت طرف البراح الأصفر حيث لا يجرؤ أحدٌ منهم أن يأتي خلفها. فضّلت صحبة أبناء آوى على صحبة البشر.

لا أحد يعرف يقيناً أنها على قيد الحياة. يظنونها شبحاً من الجحيم. كل ما يربطها بهم صيحات الغروب تجلد بها أرواحهم المذنبة وقليلاً ما تهبط ليلاً على دار أبيها تلتقط قليلاً مِن طعام تتركه لها أمها التي لم تفقد الأمل بعد. تسخر من رجائي لها بالعودة أو بالرحيل معي. تسائلني لماذا ولمن؟ هل من زوج سيرضى بها بعينها العوراء؟ هل تذهب معي لترى نظرات النفور المغلّفة بالشفقة؟ تبكي. لم تعد جميلة تبكي كما تبكي النساء. بكاؤها جدول ينحدر رقيقاً مِن عينٍ واحدة؛ صامتاً حزيناً على صاحبته. تعدُني أن تعود غداً، وأعدها أن أنتظر. لا تعود. وأنتظر ولا تعود... وأنسى.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 

«ديزني» تشتري أنشطة أفلام وتلفزيون من «فوكس»  |  بتوقيت غرينتشجراح بريطاني يقر بحفر اسمه على كبد مريضين  |  بتوقيت غرينتشدوين جونسون يدشن نجمته على جادة المشاهير في هوليوود  |  بتوقيت غرينتشبريطانيا تستعين بشركات لمكافحة التجسس الإلكتروني  |  بتوقيت غرينتشعودة ثلاثة رواد من محطة الفضاء الدولية إلى الأرض  |  بتوقيت غرينتش«نشيد للبحر» معرض أعمال فنية لمعتقلي غونتانامو  |  بتوقيت غرينتش«ألكسو» تهنّئ السعودية بتسجيل «القط العسيري» على قائمة التراث الثقافي  |  بتوقيت غرينتشالقبض على أخطر المهربين البرازيليين في براغواي  |  بتوقيت غرينتشتزايد نسبة التفاوت الاجتماعي في العالم  |  بتوقيت غرينتشفقدان السمع قد يكون عاملاً مسبباً للخرف  |  بتوقيت غرينتش