|   

ما زلت أحتفظ بالبراءة الأولى منذ «حلفاوين»

فريد بوغدير
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: الرباط - فجر يعقوب 

حضر المخرج التونسي فريد بوغدير مهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف الذي اختُتمت فاعلياته أخيراً في العاصمة المغربية بفيلمه «زيزو– عطر الربيع»، وهو تتويج لثلاثية بدأها بوغدير مع «حلفاوين: عصفور السطح» 1990 و «صيف حلق الوادي» 1996، وهو هنا لا يبتعد عن سرديات «عصفور السطح» المتلصص الذي يرمق حيوات الناس من الأعلى دائماً قبل أن ينغمس فيها بوصفه واحداً منهم، ليعيش مشكلاتهم وقلقهم و«آثامهم» في بواكير عدة. في «زيزو» سوف نعثر على طالب جامعي ينتقل من قريته للمدينة بغية الزواج، لكنه يجد نفسه عاملاً في تركيب الصحون الفضائية اللاقطة على سطوح الفقراء والأغنياء على حد سواء، العصريين والمستبدين من مساندين للنظام المستبد، إلى المتخفين بلباس الإسلام السياسي حتى يرمق فتاة محتجزة عند مافيا قريبة من السلطة من أعلى سطح في سيدي بوسعيد، ويبدأ التخطيط لتحريرها حتى يصبح تدريجاً بطلاً رغماً عنه مع تعالي صيحات الثورة التونسية. هنا حوار مع فريد بوغدير حول فيلمه الأخير الذي شارك في المسابقة الرسمية للمهرجان:

> من حسنات الفيلم أنه لا يقوّل شخصياته إن هناك أسبقية لفريد بوغدير بالتنبؤ بالثورة التونسية؟

- لسبب رئيس برأيي، فأنا دائماً أصوّر الأشياء من نظرتي الخاصة، وأنا بطبعي إنسان مرح، وأؤمن تماماً بأن الفن السينمائي هو فن جماهيري، حتى إذا قمت بتحليل أفلام النخبة التي أقدرها سوف تجد فيها هذا الجانب الذي أحكي عنه. أنا نفسي بدأت نخبوياً، واكتشفت مع الوقت أن الجمهور لا يقبل هذه الأفلام بسهولة، ولهذا أعتمد السخرية المنظمة في أفلامي أو الهزل الذي هو وسيلة لمد المتفرج بالوعي، وإن استطعت كمخرج أن تدفع المشاهد للتبسّم والضحك، فاعلم أنك تمنح وعيه أبعاداً إضافية قد لا يشعر بها إلا بمرور الوقت. عندما صورت «زيزو» لم أخفِ البتة أنني معجب بشارلي شابلن، الذي أعتقد أنه الأقدر على سرد شيء عن حالة الفوضى والبطالة التي قد تنتج عن ثورة ما. أعتقد أن فيلم «زيزو» نجح في ايقاظ حس السخرية لدى الجمهور التونسي العادي، الذي قد يرى فيه سخرية من الثورة ذاتها، وقد يقول إن الثورة أقل مأساة مما تصورنا وشكراً لك. أحمد الله أنني شهدت الموقف الثاني في معظم لقاءات الجمهور مع الفيلم.

 

رموز مغلقة

> هذا المشهد الرمزي (الافتتاحي): زيزو في أرض قاحلة وحيداً ويقصد المدينة في رحلته ألا يكشف الفيلم بالكامل؟

- أرى العكس تماماً. أي مخرج عنده اختيارات في المضمون والشكل، وأنا عملي أن أحاول التوفيق بينهما. الشكل يخدم المضمون ويكون متوافقاً معه، وكما ترى في أفلامي رموز ليس من الضروري أن يفهمها الجمهور الواسع. والمشهد الأول بالنسبة إلي هو الإعلان عن ميلاد شخصية سينمائية من مفازة اللاشيء. قد تظهر بداية الفيلم وكأنها تدور على سطح المريخ: لا نبات، لا شجرة، لا طير أو كائن حي وفجأة تنبت شخصية من كل هذا العدم حتى أن السائق الذي ينقله للمدينة يقول له: ظننتك فزاعة يا رجل للوهلة الأولى. لقد بدأ فيلمي في الصحراء حتى نشهد ميلاد هذه الشخصية التي تحمل حقيبة ومشروع زواج مديني. إذاً، دعونا نتبعها حتى نهاية الفيلم حيث الخلق يبدأ من الماء. لقد تركت في الوقت ذاته المتفرج يفرح للنهاية السعيدة، على رغم أنني من حيث المبدأ ضدها، فهي تترك في المتفرج تأثيرات من قبيل أن المشكلة تنتهي هنا عند هذا القطع. ولكنني في هذا الفيلم تركت عزيز أمام هذا الخيار حتى يبقى على شيء من تفائله وهو يسبح عكس التيار، وهو يصبح بطلاً رغم سذاجته البادية للعيان. أنا مع النهايات المفتوحة التي تترك المشاهد يفكر من خلال السخرية حتى يتطهر من الأشياء التي تثقل روحه.

> ألا تخشى على فيلمك من فولوكلوريات «الثورات» التي بدأت تصدع كثيراً من المجتمعات العربية دون أمل بنهايات سعيدة؟

- هناك مخاوف حين يصوَّر المجتمع من أن تظهر صورته فولكولورية بحتة. الفولوكلور بحسب فرانز فانون هو جنازة الثقافة، لهذا أختار أن أصوّر أشياء من مفرزات الثقافة العربية الحية. على سبيل المثال في فيلمي «الحلفاوين: عصفور السطح» هناك مشهد طهور الأخ الصغير وفيه توزع الحلويات على الأطفال. هذه العادة تمتلك أبعاداً غير فولوكلورية عندي لأنني أردت توظيفها في سياق حي له خصوصية الثقافة التي أريد لها أن تظهر في فيلمي. كان يمكن أن تغرق في أبعاد فولوكلورية بالطبع لولا أن وظيفتي هنا كانت أن ألفت الانتباه إلى عقد اللؤلؤ. وبالنسبة للعصر الذي نعيش فيه وسط كل هذا اللؤلؤ هناك جوهرة أميركية إشعاعها يغطي على ماعداها. أنا بكل تواضع وجدت في تونس أن مهمتي أن ألفت الانتباه إلى خصوصية اللؤلؤ التونسي حتى نديم اللؤلؤ العربي المخفي بضوء الجوهرة الأميركية. وكلي أمل في الواقع بأن تعود الثقة إلى الثقافة العربية الحية بعيداً من ثقافة الاستعمار التي تشكك بجميع الثقافات المحلية وتعمل على امتصاصها وإعادة إنتاجها بطريقتها. في 90 في من الفيلم بدا لي أن تصفيق الجمهور هو أهم بساط أحمر ممكن أن أعبر من خلاله، وإن كنت أصور أفلامي من أجل المهرجانات الكبيرة، فإنني أرى أننا إن نجحنا باختيار الشكل الفني المناسب لأن يكون فيلماً كونياً فإننا نكون قد قطعنا شوطاً لا بأس به لتسليط الضوء على اللؤلؤ العربي.

 

الخوف بعد الفيلم

> هل نجح فريد بوغدير في لفت الانتباه إلى اللؤلؤ العربي من خلال ثلاثيته؟

- أعتقد أنني أفلامي كانت ناجحة، وأنا لا أقوم بإخراج فيلم إلا لإحساسي بضرورته لتونس وللعرب وللعالم رغم أنني أخاف بعد نجاح الفيلم ألا أتجاوزه لاحقاً من حيث الشكل والمضمون. أخاف من عدم الوصول إلى مستوى لا يرضيني ويرضي ثقافتي السينمائية. ربما تعرف معنى أن أعرض فيلم «باب الحديد» ليوسف شاهين سنوياً على طلابي وكل سنة نكتشف فيه شيئاً جديداً. أنا أخاف بعد «الحلفاوين» ولهذا أؤجل أعمالا كثيرة، وبالنسبة لـ «زيزو»، الثورة التونسية هي المتفرج الكبير، ولا داعي البتة للبحث عن اعتذارات.

> من مهندس طبقات أرضية وجيولوجيا إلى عامل تركيب صحون فضائية. ألا ترى أنك انتقلت مباشرة ببطلك لأن يكون عصفور سطح آخر؟

- بهذا الفيلم، أختم «الثلاثية» بالفعل، وحتى فيه ترد عبارة عصفور سطح كما شاهدت. في الفيلم الأول أستلهم طفولتي، فأنا كرجل قصير القامة بوسعي أن أمد برأسي حيث شئت وأعثر على حياة مديدة كما يقال. وفي الفيلم الثاني أستلهم مراهقتي فأنا عشت تناقضات الأديان في «حلق الواد»، حتى وقعت بين نارين في مهرجان برلين ذات مرة، فالنقّاد العرب رأوا فيه تطبيعاً مع «العدو» وعضوة لجنة التحكيم الإسرائيلية غيلا الماغور قالت إنه فيلم دعائي مهمته الكذب والادعاء بوجود تعايش بين الأديان في العالم العربي. في «زيزو» أنتقل ببطلي من عالم الأحلام التي قد يعيشها أي عصفور سطح غير مدرك، إلى أرض مغرقة بواقعيتها، في تونس التي تعيش على إيقاعات ما بعد الثورة.

> هل هناك شيء ما يربطك بزيزو؟

- بالطبع هناك التفاؤل والاحتفاظ بنظرة البراءة التي تميزه. أعتقد أن زيزو هو الدخول في عالم الكهولة من هذه البوابة.

> هل ما يزال فريد بوغدير يؤمن بأنه عطر الربيع بالفعل؟

- حتى نكون واقعيين بعد كل ثورة هناك فترة فوضى، وأنا كفنّان أعتبر أن أكبر مكسب للثورة هي حرية التعبير، حتى في فترة الحكومة الإسلامية صار بوسعنا أن نسخر من الغنوشي. أنا متفائل بأن من سيتغلب على المصاعب في تونس هو النساء، وهذا قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، لكنني أثق في المرأة التونسية التي ستحل الكثير من المشكلات وهذا في شكل من الأشكال شكر للحبيب بورقيبة محرر المرأة التونسية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
   

«ديزني» تشتري أنشطة أفلام وتلفزيون من «فوكس»  |  بتوقيت غرينتشجراح بريطاني يقر بحفر اسمه على كبد مريضين  |  بتوقيت غرينتشدوين جونسون يدشن نجمته على جادة المشاهير في هوليوود  |  بتوقيت غرينتشبريطانيا تستعين بشركات لمكافحة التجسس الإلكتروني  |  بتوقيت غرينتشعودة ثلاثة رواد من محطة الفضاء الدولية إلى الأرض  |  بتوقيت غرينتش«نشيد للبحر» معرض أعمال فنية لمعتقلي غونتانامو  |  بتوقيت غرينتش«ألكسو» تهنّئ السعودية بتسجيل «القط العسيري» على قائمة التراث الثقافي  |  بتوقيت غرينتشالقبض على أخطر المهربين البرازيليين في براغواي  |  بتوقيت غرينتشتزايد نسبة التفاوت الاجتماعي في العالم  |  بتوقيت غرينتشفقدان السمع قد يكون عاملاً مسبباً للخرف  |  بتوقيت غرينتش