|   

السلطة في الدولة الإسلامية ... قوّتها وسياقاتها

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: خالد عزب 

يذهب كثير من المؤرخين إلى حصر السلطة في المجتمعات الإسلامية عبر العصور في سلطة الدولة، وفي حقيقة الأمر أن تجربة المسلمين التاريخية، تبين أن سلطة الدولة كانت سلطة محددة المعالم ولم تكن سلطة مطلقة، إذ نرى في كتابات علماء السياسة الشرعية الذين نظروا إلى السلطة هذا البعد واضحاً، ونراه أيضاً على أرض الواقع عبر التجربة التاريخية، وتعكسه التجربة العمرانية والمعمارية.

فالسلطة المطلقة لمن يقود الدولة كانت محددة في إطار كلي ينحصر في المسؤوليات التالية: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة ومنع البدع والشبهات. تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين حتى لا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم. الذب عن الحريم والحوزة. إقامة الحدود لتصان محارم الله من الانتهاك. تحصين الثغور حتى لا يظفر الأعداء بما ينتهكون به محرماً ويسفكون فيها دماً لمسلم أو معاهد. استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء في ما يفوضه إليهم من أعمال أو أموال لتكون الأعمال مضبوطة والأموال محفوظة. أن يباشر رأس السلطة بنفسه مشارف الأمور وتصفح الأموال ليهتم بسياسة الأمة وخزائنها ولا ينشغل عن ذلك بالعبادة.

فإذا أوفى مَن في سدة الحكم بذلك وجب على الأمة حقان: طاعته، ونصرته ما لم يوجد من جهته ما يخرج به عن الإمامة كالجرح في عدالته أو النقص في بدنه. لذا فإن من يظن أن سلطة الدولة في التجربة الإسلامية كانت مطلقة، يعد واهماً، فهي مقيدة بشروط وواجبات، إن لم تنفذ وجب الخروج على الحاكم، بل نجد ابن تيمية يذهب إلى ما هو أبعد عند اختيار الحاكم مساعديه في الحكم على النحو التالي: استعمال الأصلح. أن لا يقدم الرجل الذي يطلب الولاية. أن لا يقدم الرجل لهوى أو قرابة. استعمال الأمثل فالأمثل.

استعمال الأصلح عند ابن تيمية واجب على الحاكم، واعتمد في ذلك على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن ولي مِن أمر المسلمين شيئاً فولّى رجلاً وهو يجد مَن هو أصلح منه للمسلمين فقد خان الله ورسوله».

هذا نراه أيضاً على أرض الواقع في التجربة التاريخية للمسلمين، فلم يكن صلاح الدين الأيوبي عظيماً لشخصه، بل برجال دولته، الذين اختارهم بعناية فائقة، فولى القبطي أسعد بن مماتي أمر أموال مصر، وولى بهاء الدين قراقوش أمور إدارة مشاريع الدولة فكان حزمه سبباً في إنجازات ما زالت آثارها باقية إلى اليوم.

إن عامل الكفاءة في الاختيار عند ابن تيمية لا هوادة فيه، ويعد عدم التزامه قصوراً من الحاكم وخيانة، لذا نجده يشدد على ذلك بقوله: «فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة أو صداقة أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب أو لضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين».

هذا المفهوم قائم على أن مجتمع المسلمين يجب أن يبحث عن الصالح العام، فمصلحة الأمة مقدمة على كل شيء، وهو مفهوم مغاير لمفهوم الصراع في السياسة لدى الغرب، الذي يقوم على أن الغالب يتولى السلطة ويقصي الآخر تماماً.

بلور العصر المملوكي فكرة المشاركة في صناعة القرار بين فرقاء الوطن، فالكل يعتقد أن ديوان نابليون بونابرت هو أول مَن جمع الطوائف في مصر لمناقشة الشأن العام، لكن عقد جلسات المشورة بدأ منذ العصر المملوكي، وهي اقتصرت في بادئ الأمر على الأمراء المماليك ثم ضم إليها العلماء والقضاة، ثم رؤساء الطوائف الحرفية في مرحلة لاحقة بخاصة كبار التجار. كانت تطرح في هذه المجالس قضايا عامة للمناقشة، فقد عرض على المجلس من قبل الأمير برقوق في عام 780 ه/1379 م، حل أوقاف المساجد والجوامع، وهو ما قوبل برفض شديد من القضاة، وأُخذ برأيهم.

كان مجلس الشورى هذا ينعقد بأمر من السلطان أو نائبه أو أحد كبار الأمراء، أو بطلب من القضاة أو العلماء لمناقشة مظلمة يتعرض لها الشعب، على نحو ما فعل القاضي برهان الدين بن جماعة في العام 1373م، والشيخ البلقيني عندما عقدا مجلساً بحضور السلطان الأشرف شعبان، وترافعا أمامه ببلاغة وبرهان في ضرائب المغاني وما فيها من مفاسد وفي ضرائب القراريط وما فيها من ظلم، وبعد أن استمع السلطان للمناقشات استقر الرأي على إلغاء هذه الضرائب.

استقر الأمر في أواخر العصر المملوكي واتسع نفوذ هذه المجالس حتى إذا جاء العصر العثماني، فرضت طوائف الشعب على السلطة، عقد ديوان أربع مرات في الأسبوع في قلعة صلاح الدين في مقعد السلطان الغوري في الديوان الكبير لمناقشة أمور الدولة. ووصل الأمر بهذا الديوان إلى عزل الوالي العثماني، فلم يكن محمد علي كما يعتقد الكثيرون أول والي يولى بناءً على رغبة شعبية مصرية، فقد سبقه عدد من الولاة ذكر وقائعهم الاسحاقي في «أخبار الأول».

بل نجد أنه حينما يشتد الخلاف يعقد في منزل أحد الأمراء أو كبار الشخصيات ما يسمى «جمعية»، وهو ما يذكره الجبرتي في تاريخه في أكثر من موضع. بل امتد الأمر إلى قيام أهالي رشيد بطلب عزل والي المدينة، وهو ما ورد في سجلات محكمة رشيد الشرعية التي تعود إلى العصر العثماني، وفيه إثبات تلبية ذلك الطلب.

إن القصور في قراءة التجربة التاريخية والموروث السياسي للمسلمين، يؤدي إلى نشر مفاهيم خاطئة، بل وتثبيت آراء موروثة من بعض الكتابات، من دون أدنى تفكر في فقه الواقع الذي ساد وأصبح حقيقة ينكرها البعض.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

«ديزني» تشتري أنشطة أفلام وتلفزيون من «فوكس»  |  بتوقيت غرينتشجراح بريطاني يقر بحفر اسمه على كبد مريضين  |  بتوقيت غرينتشدوين جونسون يدشن نجمته على جادة المشاهير في هوليوود  |  بتوقيت غرينتشبريطانيا تستعين بشركات لمكافحة التجسس الإلكتروني  |  بتوقيت غرينتشعودة ثلاثة رواد من محطة الفضاء الدولية إلى الأرض  |  بتوقيت غرينتش«نشيد للبحر» معرض أعمال فنية لمعتقلي غونتانامو  |  بتوقيت غرينتش«ألكسو» تهنّئ السعودية بتسجيل «القط العسيري» على قائمة التراث الثقافي  |  بتوقيت غرينتشالقبض على أخطر المهربين البرازيليين في براغواي  |  بتوقيت غرينتشتزايد نسبة التفاوت الاجتماعي في العالم  |  بتوقيت غرينتشفقدان السمع قد يكون عاملاً مسبباً للخرف  |  بتوقيت غرينتش