|   

هل «الإخوان» حزب... أم أمة؟

Print A+ a-
السبت، ١٣ تموز ٢٠١٣ (١٥:٢٩ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ١٣ تموز ٢٠١٣ (١٦:١ - بتوقيت غرينتش) حازم الأمين

يتضح من ردود فعل فروع «الإخوان المسلمين» في عدد من الدول على إسقـاط مـحمد مرسي، درجة الطموح في الوصول السريع إلى السلطة، والتي أصـابت هـذه «الـفـروع» نتيجة وصول الجـماعـة الأم فـي مصر إلى السـلـطة. في المقابل فإن الانفراج الذي أفـضى إليـه سـقوط مرسي في أوسـاط الــنخـب غــير الإسـلامـيـة، ســواء كـانـت فـي الســلطة أم خارجـها، يؤشـر إلى حـجم الـقلـق الـذي شـكـلـه وصــول مرســي إلى السـلطة، وقبض «الإخوان» عليها كما تقبض يد الجائع على حفنة من الحنطة.

ويبدو أن الذهول الذي أصاب «الإخوان المسلمين»، أينما وجدوا وأينما حلوا، لم يُفضِ حتى الآن على الأقل إلى التأمل بتجربة «عام في السلطة» أدت إلى ما أدت إليه. إنها مؤامرة العسكر والعلمانيين، فقط ولا شيء غير ذلك! والناس لم تتحرك بالملايين إلا لأن الإعلام سُخِّر بهدف إطاحة «الإخوان». في لبنان مثلاً تظاهرت الجماعة الإسلامية (الفرع اللبناني لـ «الإخوان المسلمين») أمام مكتب تلفزيون «العربية» احتجاجاً على إسقاط مرسي. وفي اليمن قال فرع «الإخوان» هناك (حزب الإصلاح) إن اليساريين والليبراليين دبروا المؤامرة. وفي الأردن نظم حزب جبهة العمل الإسلامي (إخوان الإردن) تظاهرة هزيلة أمام الـسـفارة المـصـرية، قال إن عمالاً مصريين يعملون في المملكة دعوا إليها.

والحال أن ما شهدته وسـائل الـتواصـل الاجـتماعي، بصفتها مرآة الشقاق الذي أصاب الوجدان الـجـماعـي للنـخـب «الإخـوانـية»، كان مؤشراً أوضح على مستوى الذهول والتخبط. فقد حملت التعليقات عبارات غير مسـبـوقـة كتبـها مـعلّـقـون معروفون تركوا منابرهم وقرروا أن يـكونـوا جـزءاً مـن الغوغاء المطعون بسلطتهم. فها هو الإعلامي الـشـهير في قناة «الجزيرة» يُعدد إنجازات مرسي في سنة حكمه، وهي تفوق وفقه ما أنجزه ديغول لفرنسا منذ كان الأخير ضابطاً صغيراً إلى أن حل رئيساً بعد أن هزم حكومة فيشي. وإذ ينطوي هذا الكلام على فقدان للتوازن، يكشف أيضاً أن النخب «الإخوانية» سقطت في اختلال جوهري ناجم عن شعور غريب بالرسوخ في السلطة، أحدثه وصولهم لسنة واحدة إلى الحكم. والغرابة تكمن في أنهم تعاملوا مع خسارتهم في مصر، كأنهم خسروا كل شيء في كل مكان!

قد يكون مبكراً توقّع أن «الإخوان» ليسوا بصدد إجراء مراجعة لتجربتهم هذه، وكذلك الأمر في ما يتعلق بفروعهم التي وصلت إلى سلطة كلية مثل سلطة «حماس» في غزة، أو سلطة جزئية مثل حركة «النهضة» في تونس أو حزب الإصلاح في اليمن. لكن مؤشرات كثيرة بدأت تلوح في اتجاه عدم استخلاصهم العِبَر. فـ «الإخوان» كما يحسبون أنفسهم هم الإسلام، ولا شيء غيرهم هو الإسلام. هم ليسوا حزباً، إنهم الناس وثقافة الناس وتاريخ الناس، ومن يحسب نفسه كذلك لا يمكن أن يقبل بشراكة. وكان هذا الاعتقاد في صلب تجربتهم في مصر إلى أن سقط مرسي في الشارع... كذلك الأمر في تونس إلى أن خرج التونسيون عن بكرة أبيهم ليشيّعوا المعارض شكري بلعيد في آذار (مارس) الفائت.

والسرعة الفائقة التي انتقل بها «الإخوان» إلى حزب السلطة تُـشـعِر المـرء بأنـهم طوال العقود الفائـتة خارجـها لم يـونوا سـوى مـنتــظرين لـها سـاعة تحـل. ثم إن شعوراً بأنـها لهـم فـقط، يـشبه إلى حد بعيد شعور النـخـب التي أطاحتها الثورات، مع فارق أن الثـانية شـكــلت مشـاعرها السـلـطوية بعد عقود في السـلطة، بينـما «الإخـوان» اسـتـثـمـروا في سـنة سـلطتهم هذه برصيد من الحرمان منها راكموه خلال عـقـود، كـانـوا خـلالـها «الأمة» من دون سلطتها.

هذا تحديداً ما يمكن أن نُفسر به انعدام التوازن في رد فعلهم على خسارتهم السلطة. فالشرعية التي أسقطها الجيش مدعوماً بالتظاهرات الهائلة ضدهم، لا يمكن من يُدافع عنها أن يلجأ إلى العنف إذا كان فعلاً ابناً لتقاليدها، وخوض معركة استعادتها لا يبدأ من حيث بدأ «الإخوان» في مصر. وخطاب مرسي الأخير قبل إطاحته كان فاصلاً لجهة الوجهة «الإخوانية» في التعاطي مع مأزق الجماعة. مزيد من المضمون الإسلامي في الخطاب، وعدم استعداد للمشاركة وللمراجعة وللتنازلات، وتلويح بانتهاء «المُهل» التي أعطيت للإعلام.

ما جرى كان انقلاباً. تقنياً لا يمكن تفادي هذا الوصف. لكن «الإخوان» فشلوا في الدفاع عن موقعهم فيه كضحية. فشلوا قبل حصوله عبر الخطاب الأخير للرئيس، وفشلوا بعده عبر لجوئهم إلى العنف للدفاع عن «شرعية» رئيسهم.

ثمة اعترافان تحتاجهما مصر اليوم: أن تعترف المعارضة السابقة بأن ما جرى كان انقلاباً وإن كان لا بد منه، وفي مقابل ذلك تجري جماعة «الإخوان» مراجعتها ويكون ثمة مسؤول عما سقطت فيه، وأن تنتقل بشعورها بأنها الأمة إلى الاعتراف لنفسها ولغيرها بأنها حزب من بين أحزاب، وهذا ما لا قِبَل لأحزابنا به.

Tags not available