|   

الفوضى لا تؤسس حضارات

Print A+ a-
السبت، ١٠ آب ٢٠١٣ (١٩:٨ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ١٠ آب ٢٠١٣ (١٩:٢٢ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

بعضنا قد لا يجيد جمع وطرح الحسابات التي تنتج بسبب غياب النظام عن حياتنا العامة والخاصة، وهي حسابات متشعبة ومعقدة. ولهذا فإن هؤلاء يظنون أن الحديث عن النظام والانضباط هو فقط مجرد ناحية جمالية أو حضارية. هو بالفعل مشهد حضاري أن تحترم المارة، أو أن تفسح الطريق لسيارة إسعاف، أو أن تتجنب الوقوف في الأماكن المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، أو تلتزم بطوابير الانتظار بلا ملل.

لكنه، أي النظام، أيضاً متصل بصحة الفرد ويدخل عاملاً رئيساً في حاله النفسية وتصرفاته وسلوكه، ليس فقط أثناء مواجهته للفوضى، بل حتى بعد أن يفرغ من مواجهتها في منزله أو مقر عمله أو في أي مكان عام؟ بل إن هذا النظام أو غيابه متصل بالوطن وتكاليف صيانته وحجم تشغيله وسعادة زائريه وحجم إنفاقهم، بمعنى أن للنظام علاقة مباشرة، ليس فقط في ما يتعلق براحة الفرد، بل حتى التنمية الاقتصادية.

على المستوى الفردي يتسبب غياب النظام في حالة غريبة جداً، وهي أن كل فرد ومن فطرته الطبيعية يتصور أنه هو وحده مَن يملك الرأي السديد الأفضل. فمثلاً لا يجد أحدنا أي مشكلة في التجاوزات غير المقبولة في الطريق، لأن من يُقدم عليها - وبحسب ثقافته وخبرته - يظن أن الحق معه في فعل ذلك ولأي سبب هو يراه. وفي غياب العقوبة عن المخالفات، قد تجد أحدنا يغلق الطريق ليتحدث مع صديقه، ويظن أن ذلك مقبول، لأن لديه سبباً لفعل ذلك، ولهذا تجده قد يزجرك لو حاولت تنبيهه. سيزجرك، ولِمَ لا؟ في غياب اللوائح ومعها أيضاً الذوق العام.

هناك مجموعة أخرى من الناس أصبحت لا تطيق هذه الفوضى. أعرف أحدهم ممن يسافر كثيراً للإمارات والولايات المتحدة، حيث يسود نظام صارم على السلوكيات هناك في كل مكان، بأنه عندما يقضي إجازته في أميركا أنه يتوقف عن تناول أدوية الضغط التي يتناولها في المملكة، يقول إن سبب ارتفاع الضغط عنده أساساً هو معاناته الكبيرة أثناء قيادته للسيارة.

المملكة وطناً واقتصاداً ونفقات صيانة تعاني كثيراً من هذه الفوضى، على رغم أنها في النهاية مسؤولة عن تسبب هذه المظاهر، كونها تتساهل في فرض الغرامات على المخالفين، فضلاً عن أنها - أقصد الدولة - لم تبذل الكثير من الجهد في تقنين هذه الأمور. فمثلاً تكاليف الصيانة، البلدية ترتفع بسبب تحطم الأرصفة الناتج من عدم وجود العقوبة الرادعة، حتى تكاليف الطرق والأرصفة تعتبر أعلى بكثير من أي مكان آخر، كوننا نلتزم بوضع الخرسانات الهندسية وبأشكال متنوعة لا لناحية جمالية، بل لمنع السائق من القيادة على رصيف المشاة. هنا نحن نشرعن حقيقة للفوضى وكأننا نبعث رسالة غير مباشرة، بأنه وفي غياب هذه الموانع فلا مشكلة في وضع السيارة فوق رصيف المشاة.

الرعاية الصحية ترتفع بسبب كثرة الحوادث والإعاقات الناتجة منها، وهذا يحدث بسبب غياب أنظمة رادعة للمرور خلاف ما يضبطه برنامج «ساهر»، على أن هناك ما هو أخطر من كل هذا على المدى البعيد، فهناك علاقة للبطالة بهذه المظاهر. فالانضباط يحتاج إلى من يضبطه، لهذا فترك الحبل على الغارب يعني عدم الحاجة إلى المؤهلين من المواطنين لضبط المشهد العام، وبالتالي لا وظائف جديدة تواكب هذا النمو في المدن.

سألت أحد مسؤولي شرطة لوس آنجليس في إحدى المرات عن عدد المراقبين المسؤولين عن تسجيل المخالفات في المدينة، فأجاب بأن العدد يتجاوز خمسة آلاف في كل وردية، يجوبون الشوارع ويضبطون العربات التي وقفت من دون أن تدفع أجرة الموقف، هؤلاء بالمناسبة يتبعون بلدية المدينة وليس جهاز المرور، أضف إلى هؤلاء الآلاف الذين يشرفون على مستويات الصيانة والتشجير والتنسيق والتعبيد ونحو ذلك.

هناك قاعدة متصلة في هذا الحديث، وهي أن عدد الوظائف يرتفع مع مستوى الجودة في أي مجتمع، ويقل هذا العدد عند انتشار الفوضى وتحوّل الحال إلى «حارة كل من إيدو إليوه». وهذا صحيح، فسبب الفوضى أساساً هو عدم وجود الرقيب المدرب والمؤهل للمهمة. أما على مستوى التنمية، فغياب اللوائح أو لنقل عدم الاهتمام بتطبيق اللوائح يعتبر باهظ جداً. المستثمر في العادة يحتاج إلى الأمان والوضوح ولا أقول الدعم الناتج من شفافية النظام، ولذا فغياب الأنظمة يدفع المستثمر إلى العزوف. هناك مدن في المجتمعات المتقدمة تدفع المستثمر إلى ضخ المال وإقامة المشاريع في محيط هذه المدن سواء المشاريع الترفيهية - وما أحوجنا إليها - أم المشاريع الأخرى المتعلقة بالضيافة ورفع مستوى الخدمة المقدمة للزائرين، هذه المدن تضع التسهيلات كلها والدعم أمام هذا المستثمر أو هذه المحفظة من المستثمرين، وتضمن لهم أموراً عدة وتقبل أحياناً باشتراطاتهم التي تساعدهم على تحقيق أهداف هذه المشاريع.

محافظ هذه المدينة يستوعب حقيقة أن وجود هذه الاستثمارات سيخلق لأبناء مدينته أو محافظته فرصاً جديدة للعمل ويساعد ذلك في تنمية المنطقة في شكل عام. في المناطق الفوضوية لا نجد هذا، بل إن الذي نشاهده ونسمع عنه أن الأجهزة الحكومية التي تشرف على ذلك تضع العراقيل تلو العراقيل أمام استخراج الفسوحات حتى يصل الأمر بالمستثمرين إلى التفكير بإلغاء الموضوع برمته.

الاعتقاد بأن بناء الحضارة بواسطة المال من دون الإنسان هو اعتقاد خاطئ جداً. قد يبني المال الكثير من الطرق والمباني والمشاريع، لكن كل ذلك لا قيمة حقيقية له في غياب الجهد عن بناء الإنسان، وبناء الإنسان الداعم لوجود هذه الحضارة أو التنمية إنما يتحقق فقط بالتقنين ووضوح الأنظمة وتطبيقها. أنا هنا أتحدث عن التقنين سواء في نظام السير ورمي القاذورات في الطرق والمتنزهات أم ذلك التقنين المتعلق بالحقوق والمرافعات ومواضيع الأحوال الشخصية، من دون أن نقدم على تدوين مثل هذه التشريعات. ومن دون أن نتعب في تطبيقها فلن يتحقق لنا ما نصبوا إليه من تنمية مستديمة قادرة على مواجهة التقلبات التي تعصف بالمجتمعات في كل مكان. الغموض كما ذكرت سيجعل من كل فرد منا قاضياً وحكماً ومالكاً للحقيقة، وهذا مشهد غير صحي أبداً.

 

 

* كاتب سعودي.

fdeghaither@gmail.com

Tags not available