|   

الجيش المصري بين وجهي مبارك وبديع

Print A+ a-
السبت، ٢٤ آب ٢٠١٣ (١٥:٣٩ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٢٤ آب ٢٠١٣ (١٥:٥٥ - بتوقيت غرينتش) حازم الأمين

رمزياً، لا يمكن المرء إلا أن يُسجل أنه في الأسبوع الذي دخل مرشد عام «الإخوان المسلمين» في مصر محمد بديع سجن طرة، خرج الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك من السجن نفسه.

لهذه المصادفة الرمزية قيمة في تفسير ما يجري في مصر اليوم. ثم إن ملابسات توقيف الرجلين وسجنهما والفروق بين طقسي التوقيفين والصور الملتقطة لكل منهما مخفوراً، جميعها تؤكد أن في مصر أيضاً «دولة عميقة»، هي الجيش والمؤسسة الأمنية، وأن لهذه الدولة وعياً ولا وعياً تتصرف بموجبهما.

فقد أحاطت بتوقيف مبارك في حينه إجراءات دقيقة تراعي بشـــدة كل ظروفه، الصحية والشخصية والعائلية، هذا إذا لم نقل المعنوية، وهو أمضى فترة سجن لا بأس بها. فهو البالغ من العمر 87 عامـــاً ويعاني من أمراض مميتة، بقي صامداً على المستويين الصحي والمعنوي، ولم يخل أداؤه الســـجني من إشـــارات اســـتفزت في الكثير من الأحيان المصريين.

في المقابل، قارب توقيف بديع الإهانة. فالرجل اعتقل في منزل بلا حراسة تقريباً، وراح معتقلوه يلتقطون صوراً معه في أوضاع لا تخلو من زجر وقصر متعمدين. وفي الوقت الذي ظهر مبارك المريض بين سجانيه رئيساً حريصاً على صبغ شعره وحلق لحيته، مع اتخاذ مسافة جسدية عن الحراس، ظهر بديع مُنتَهكاً وملتصقاً بحراسه الذين أحاطوا جسمه بأيديهم مُظهرين مسدسات وأجهزة اتصال. ثم إن اقتراب الكاميرا من وجهه وجسمه أمر لم يُتح لنا في حالة مبارك الذي حفظت الكاميرا مسافة عن ملامحه.

لا شك في أنها «الدولة العميقة» نفسها. فمبارك ابن الجيش وقائده السابق، وفي الشكل، يبقى لهذا الأمر حساب جوهري في أداء السلطة وفي شكل تصرفها. الجيش في حالة مبارك نفذ المهمة المتعلقة بتوقيفه، لكنه أرفقها بسلسلة إجراءات حفظت له المهمة الضمنية التي ثبت أنها أقوى من أن تُمس، وهي «الهيبة» والمكانة والسلطة. وفي وعي هذه «الدولة» ثمة ما تجب حمايته، وهو صورتها.

قبل الانتخابات الرئاسية المصرية التي فاز بها الرئيس المخلوع محمد مرسي بفارق طفيف على أحمد شفيق، التقى صحافي عربي بأحد قادة الجيش المصري، وقال له الأخير إنه لن يؤدي التحية لرئيس مدني، فهذا ليس دأب الجيش في مصر، ورؤساء مصر جميعهم كانوا قادة جيش. بهذا المعنى، فإن فوز مرسي كان انتصاراً على الجيش قبل أن يكون انتصاراً على شفيق.

ويبدو أن خطأ «الإخوان» الأول، وهو قبل خطئهم المتمثل بالهجوم على المؤسسات وسعيهم «لأخونتها»، هو أنهم اعتقدوا فعلاً أنهم انتصروا على الجيش، فاستبدلوا قائده بآخر اختاروه هم، وكان الدرس الكبير المتمثل في أن القائد الذي اختاروه تولى بنفسه إطاحتهم من دون أن يرف له جفن.

ويبدو أن للقلق من خروج «الدولة العميقة» في مصر من قاع السلطة ومن بُعدها غير المرئي إلى السطح، ما يُبرره اليوم في ممارسات مُطاردة «الإخوان» وفي شيطنتهم وتحويلهم مُجدداً إلى ضحية، يبدو أنهم اليوم أقرب إليها. ويبدو أن الجيش أيضاً يجيد الاستفادة من زخم شعبي ليعود فيحوله إلى قوة زاجرة لا تخلو من ميل للاضطهاد. أليس هذا ما كان دأب جمال عبدالناصر حين استأصل من مصر تنوعها، وحين قتل كل حيوية سابقة على «ثورة يناير».

والحال أن محمد مرسي لم يكن رئيساً سيئاً فحسب، إنما كان رئيساً لا يصلح لأسباب تتعدى السياسة على ما يبدو، تتعلق بقدراته الشخصية، وهو ما أدى إلى وصول «الإخوان» كلهم إلى القصر. صار عاكف مرشد الجمهورية، وحل أئمة المساجد المتشددون ضيوفاً على القصر بدل الشيوخ الأزهريين، وحلقت السياسة الخارجية في السماء «الإخوانية» الضيقة بين قطاع غزة وسيناء، وشن التجار «الإخوانيون» هجوماً على الاقتصاد فتداعى الأخير في ضيق الخيارات.

كان مشهد إطاحة مرسي مصرياً ووطنياً في ساحة التحرير، وكان لا بد من خطوة يخطوها الجيش في ظل تعنت «الإخوان» وعدم استجابتهم للشارع. لكن الحماسة للجيش فاقت المطلوب: فللأخير حسابات أخرى، وهو يجيد توظيف الشارع في وجهته، والتجربة الناصرية على هذا الصعيد حاضرة في ذاكرة الضباط، وغير ناصعة لجهة نتائجها. فالجيش هو الجيش، وهو لا يملك ثقافة أخرى، ويمكن اختصار هذه الثقافة رمزياً بالفارق في التعاطي بين بديع ومبارك، ويمكن مقاربتها أيضاً عبر «التحية» المستحيلة لرئيس مدني.

اليوم تجري الوقائع مشحونة بميلٍ استئصالي لا يمكن أن تخطئه عين. سيل الأخبار سائر نحو وجهة واحدة، هي «الإخوان». الكاميرا تلتقط مشهداً واحداً يتمثل بـ «إخواني» قناص. لكن النتائج حملت غير ما عكسته الكاميرا. فمعظم القتلى من «الإخوان»، والاتهامات الموجهة لم تقتصر على تجربتهم السيئة في الحكم، وحال الطوارئ شملتهم وحدهم، فيما سلطت سيوف التخوين على من اعترض. فالبرادعي عاد أميركياً، وهي تهمة كان «الإخوان» أول من أطلقها، وعمرو حمزاوي لم يجد مكاناً له في الثورة الثانية فناصر «الإخوان». وصار صعباً على صحافي متحفظ عن إجراءات الجيش نشر مقال في الصحافة القومية.

في المقابل لن يتمكن الجيش من الذهاب في «الدولة العميقة» إلى آخر التجربة. ثمة ما لم يعد ممكناً على هذا الصعيد، فلا الزمن هو زمن الجيوش، ولا مؤسسات السلطة في مصر يمكن أن تهضم الوظيفة المطلقة التي يسعى إليها. لكن ارتدادات الذهاب في هذا الطريق هي ما سيعترض مصر في المستقبل. ذاك أن قمع «الإخوان» سيعيدهم ضحايا، وسيكون على المصريين انتظار ثورة ثالثة، تُبعد الجيش من دون أن تعيد «الإخوان». والثورات غير مضمونة النتائج في عالمنا الضيق.

Tags not available