|   

تَريُّث أوباما يكشف تعقيد الصورة

Print A+ a-
السبت، ٠٧ أيلول ٢٠١٣ (٢١:١ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٠٧ أيلول ٢٠١٣ (٢١:٩ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

الأميركيون في حيرة من أمرهم في قضية معاقبة سورية بعد أن أبادت أكثر من ١٤٠٠ من مواطنيها في ليلة واحدة بقذائف تحمل أسلحة كيماوية، الرئيس أوباما وعد بضرب سورية بمجرد خروج هذه الجريمة إلى العلن، لكنه وفي اللحظة الأخيرة اختار التريث والعودة إلى الدستور، وطلب موافقة الكونغرس على ذلك. منذ تلك اللحظة التي تحدث فيها الرئيس عن الحاجة إلى موافقة الكونغرس والإعلام الأميركي يعيش بما يشبه «الحفلة».

جميع القنوات الإخبارية أصبحت لا تتحدث إلا عن سورية وبشار وماهر ورفعت وحافظ في شكل لم يسبق له مثيل، كشفت هذه المحطات كل الجرائم والأحداث، هناك فريق الصقور الذي يدفع الإدارة والكونغرس إلى شنّ الهجمات الموجعة ومعاقبة النظام.

يستشهد هؤلاء بلحظات تاريخية تقاعس فيها العالم عن الجرائم في مهدها في ألمانيا والعراق وغيرها، وحدث في ما بعد ما لا تحمد عقباه، هناك بالطبع فريق معارض وبشدة.

الواقع أن الحال في سورية ربما لا تحتمل كل ذلك. صحيح أن الفريق المعارض لمعاقبة النظام يستند إلى حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن الثوار في سورية أصبحوا خلطة عجيبة تحوي، مع الأسف، منظمات وأفراد من كل لون وعرق، احتواء على بعض المتعاطفين من منظمة القاعدة. هذا يدعم موقف القائلين هنا في الولايات المتحدة أن قصف البنى التحتية للنظام السوري إنما يقوّي موقف هؤلاء، وهم في النهاية أعداء لأميركا وللغرب عموماً، بل إنهم أعداء لكل الأنظمة القائمة، وهذه مشكلة بالفعل.

غير أن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن من يقدم على قصف شعبه بالأسلحة الفتاكة هو في الحقيقة أكبر خطر، ليس فقط على المنطقة بل على العالم.

أنا حقيقة لا أرى معارضة جادة لمعاقبة نظام كهذا، وأتوقع بدء القصف في منتصف هذا الأسبوع، لكن المشكلة تكمن في حجم الضربة والبديل. فهل يقصف نظام بشار إلى الحد الذي قد يؤدي إلى سقوطه من دون أن يكون لديك ضمان بنوع ولون وشكل هذا البديل؟

أكثر التعليقات إثارة من بين مئات المحللين والمتحدثين تأتي من خبراء متخصصين في المنطقة، ولديهم رؤى ثاقبة للوضع العام. مثل هؤلاء فعلاً يثيرون الاهتمام، ويطرحون تصورات مهمة من دون الحاجة إلى تسميتهم، يستند هؤلاء إلى الصورة النهائية. ما الذي نريد تحقيقه في نهاية المطاف؟ هل هو فقط سقوط نظام بشار الأسد أم سقوط سورية، الدولة والكيان والشعب الموحد على أرضه؟ رؤية هؤلاء، وإن كانوا يميلون إلى معاقبة النظام وقصفه بالصواريخ كرسالة عالمية، رؤيتهم تكمن في ضرورة تنظيم المعارضة وضمان توجهاتها ثم تسليحها تحت المراقبة والنظر.

تفتت سورية أو انتشار الفوضى داخلها وسيطرة بعض المقاتلين على أجزاء منها، قد لا يقل خطراً عن قصف بشار لتلك الضاحية بالقنابل الكيماوية، يقول هؤلاء إن الولايات المتحدة والغرب ودول الخليج قادرون وبتكاليف تقل كثيراً عن تكاليف القصف على تحقيق العقوبة والهدف.

لا شك أن هناك من يدعم هذا التوجه، وقد يكون العمل من خلاله قد بدأ بالفعل من طريق الاتصالات السرية، السؤال كيف يمكن للثوار وتحديداً «الجيش الحر» أن يمنح العالم ضمانات كهذه؟ ضمانات بأن المنظمات الجهادية والمرتزقة لن يكون لهم موطئ قدم في سورية ما بعد الأسد، ما الذي يضمن صمت هؤلاء «المجاهدين» وولائهم للدولة الجديدة؟ هل نفترض ولو لمجرد الافتراض وقوع حرب أهلية تعقب سقوط بشار؟

إذاً، فالمشهد هنا قد لا يختلف في النهاية عن المشهد في تونس وليبيا ومصر، وهي الدول التي ارتبطت بما يعرف بـ«الربيع العربي».

الفرق بالطبع أن تلك الأنظمة سقطت بأقل الأثمان بينما بشار الأسد الذي شاهد ما حدث للقذافي يدفع الأمور إلى الهاوية المدمرة، منطلقاً من مقولة عليّ وعلى أعدائي. سقطت نعم، لكنها تركت خلف ذلك صراعات هائلة قادتها في الغالب جماعات إسلامية متوترة، وتحمل أجندات عجيبة وغريبة، وأقصد بذلك جماعة «الإخوان المسلمين». لكن وكما نعلم اليوم ومن خلال الثورة المصرية المضادة في ٣٠ حزيران (يونيو) سقط حكم «الإخوان» وتجاوز المصريون عقدة هذه الجماعة.

أعود إلى القول بأن تسليح المعارضة السورية مع مراقبة توجهاتها أهم من مجرد القصف العسكري المنتظر حتى وإن كان كبيراً كما بدأ يتسرب عبر بعض القنوات والمتحدثين. التسليح والتدريب النوعي للجيش الحر سيحقق تفوق، هذه المعارضة الوطنية الأصيلة ليس فقط على النظام الأسدي القائم، بل على أي طموح يخطط له أي فريق آخر. إذاً، فعلى العالم أن يسعى إلى تحقيق الحل النهائي، وليس الوقتي السريع، وأن يتدخل بقوة في تشكيل المعارضة ومستقبل البلاد، إن لم تنجح المعارضة بسبب عجزها على تنظيم الصف ونبذ الإرهاب والمنتمين إليه، وإن لم تكسب ثقة العالم بتوجهاتها وخططها فنظام بشار مستمر.

نعم، قد لا يعيد الكرة، ويقصف أهله بالقنابل الكيماوية، لكنه حتماً وبدعم إيران وروسيا سيقاتل بكل ما يملك من أسلحة «تقليدية».

 

 

fdeghaither@gmail.com

F_Deghaither@

Tags not available