|   

فوضى «السير» وتداعياتها على سلوكياتنا

Print A+ a-
السبت، ٢١ أيلول ٢٠١٣ (٢١:٣٣ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٢١ أيلول ٢٠١٣ (٢١:٣٩ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

الفكرة السائدة عن المرور وكثرة المخالفات أنها مجرد ظاهرة سيئة، يتطلع كل فرد منا إلى القضاء عليها، والحقيقة أنها غير ذلك. العيش والاعتياد على المخالفات لا يمكن أن ننظر إليه من خلال مثل هذا التبسيط.

فالوقت الذي يقضيه الفرد منا في الطرقات داخل وخارج المدن ليس قصيراً ولا هو عابر، أن تعيش داخل هذه الفوضى، وتعتاد عليها، يحمل تداعيات خطرة جداً على الفرد في مزاجه وإبداعه، لكننا مع الأسف لم نعد نستوعبها أو بالأصح لا نشعر بها، وممارسة الفوضى المقننة لا بد وأن يترك أثره في سلوكياتنا عموماً. وهي ليست مجرد فوضى مقننة، لكنها أيضاً ممارسة تدفعك إلى الجنون في بعض الأحيان. فالمخالفات التي تحدث أمامك في الطريق تحمل أيضاً إهانة شخصية. السائق الذي يلتصق بك من الخلف، ويحاول أن يدفعك إما إلى السرعة أو إفساح المسار له إنما هو يهينك في حقيقة الأمر. تخيل لو لم تكن السيارة موجودة وهناك شخص ما يقف خلفك في طابور أو ممر ضيق، ويمارس الممارسات نفسها، ماذا ستفعل معه؟ وكيف ستتقبل تصرفاته الخرقاء هذه.

من هنا فالسير في طرقات مدننا وشوارعها إنما يخرج ما في داخل الفرد كل ما هو سيء وقبيح، مما نظن أنه مطمور ومدفون بحكم جبلة الإنسان الطبيعية إلى التسامح والصفح. سألني أحد الأصدقاء ما الذي يدفعك إلى قضاء الإجازة في الولايات المتحدة الأميركية تحديداً وفي كل فرصة؟ قلت له ستستغرب من جوابي، "إنه المرور". نعم فأنا أستمتع بقيادة السيارة عموماً، ومن منا لا يفعل؟ في مدينة كمدينة لوس أنجليس مثلاً تقود سيارتك بكل انضباط وهدوء واحترام، قلت له إنني أجد نفسي هناك في أفضل حله، الأعصاب غالباً هادئة ولا وقت للغضب أبداً.

قيادة السيارة في بلادي مع الأسف تعتبر هماً وغماً ومصيبة، تقود سيارتك وتدعو الله في كل وقت أن يعيدك إلى البيت سالماً جسدياً ونفسياً، أقول ذلك لأن أمامك في الحياة مهمات أخرى، فأنت أب ومربي ومدير وموظف والقول أن ما يحدث لمزاجك ونفسيتك في الطريق لا علاقة له بكل هذا هو هراء.

ففي البيت، قد تعود وأنت في أسوأ حالاتك النفسية، بسبب ما عانيته قبل قليل، سينعكس ذلك على تعاملك مع الأبناء والزوجة، القصة نفسها تتكرر عندما تكون في المكتب أو عندما تذهب إلى عقد اجتماع خارج مكانك، في كل لحظة من يومك ستجد أن ما حدث لك أثناء مشوارك في السيارة متصل في شكل أو آخر بمزاجك العام.

سمعت أخيراً عن إقرار مجلس الوزراء السعودي لما يسمى بـ"الاستراتيجية الوطنية للسلامة المرورية"، واستبشرت خيراً لعل وعسى، حقيقة لم أطلع على هذه الاستراتيجية بنفسي، ولكن من خلال ما تم إعلانه فإنها تتكون من محاور رئيسة عدة، يتعلق أولها بالأنظمة والتشريعات المرورية، أمـا الثاني فيعتمد على المؤشرات الإحصائية والبيانات المرورية، ويهتم الثالث بالطريق والتقنيات الحديثة، ويركز الرابع على السلوكيات المرورية والتعليم والتدريب والتأهيل، أما الخامس فعلى علاقة بالتخطيط العمراني والنقل العام والمدرسي، ويركز السادس على المركبة، أم المحوران السابع والثامن فعلى صلة بالخدمات الإسعافية والعلاجية، والبحوث والدراسات المرورية. لو نتمكن من التركيز على "المحور الرابع" فقط لانتقلنا إلى مراحل متطورة كثيراً، السلوكيات الفردية هي "أس" البلاء.

فالسائق غير مبال وغير مكترث بما يقدم عليه من مخالفات في المملكة، وفي ما عدا نظام ساهر الآلي لا يوجد مخالفات يتم تسجيلها على المخالف.

يقتحم السائق طوابير الانتظار للدخول أو الخروج من طريق وعلى مرأى من رجل المرور ولا يتم إيقافه ولا تأديبه، يقف السائق في أي مكان بطريق الخطأ، ويمر بجانبه ضابط المرور الذي قد يكتفي بتنبيهه بالسير عبر مكبر الصوت.

هذه ثقافة هالكة ومجربة ولا يوجد لها أي أثر إيجابي، فالسائق في النهاية لا يكترث لمثل هذه النداءات أو المناشدات، لأنه اعتاد على الوقوف أو التجاوز الخاطئ، وقد يظن بأنه أصلاً لم يخطئ. فالوسيلة الوحيدة لتقويم سلوكيات الفرد هي "جيبه". رصد المخالفة وتغريم المخالف مادياً. عندها سيستيقظ ويصحو من غفلته وغفوته. فقط الجيب وما أدراك ما الجيب. التوسل والترجي إنما يشيران إلى الضعف والاستسلام، حتى في الولايات المتحدة التي تحدثت قبل قليل عن انضباط الفرد هناك في قيادة السيارة فالدافع الرئيس لذلك هو تجنب الحصول على المخالفة ولا شيء غير ذلك بل إنهم هناك ولو نام النظام، ولم يطبق، فلربما تشهد فوضى غير مسبوقة، وقد تكون أخطر بكثير مما هو لدينا.

الذي أتمناه مع تطبيق مثل هذه الحملة العمل بمنهجية علمية متأنية على أيدي خبراء في المرور والتنظيم وتطبيقه، على القائمين على الحملة أن يضعوا خطة زمنية معقولة للوصول إلى الحلول، لا أن نقيم حملة سريعة غالباً ما ستفشل ثم نعود إلى المربع الأول.

معالجة المرور وسلوكيات الأفراد سيتطلب منا المضي من خلال مراحل كما هو التعليم بالضبط، من غير المعقول أن نطالب التلميذ في السنة الأولى المتوسطة بأن يتصرف كالجامعي، ووضع السائقين لدينا حقيقة يوازي طالباً في السنة الأولى المتوسطة من حيث الانضباط، يريد أن يصل إلى الجامعة، فلنمنح أي برنامج الفرصة الزمنية اللازمة، ولا نستعجل النتائج ،هذا بالطبع مع الإصرار وعدم التراخي مع الأيام.

 

 

* كاتب سعودي.

fdeghaither@gmail.com

 

@F_Deghaither

Tags not available