|   

«أرامكو» و«دخنة»

Print A+ a-
السبت، ٠٥ تشرين الأول ٢٠١٣ (٢٠:٥٣ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٠٥ تشرين الأول ٢٠١٣ (٢١:٢ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

في جلسة مناقشة قبل بضعة أيام تحدث أحد الأصدقاء الأعزاء عن تميز جامعة الملك فهد للبترول، وكيف أن معظم من تخرج منها قبل عقدين أو ثلاثة عقود هم اليوم من القادة والرواد في المجالات التي يعملون بها.

ما الذي ميّز هذه الجامعة عن غيرها؟ ما الذي ميز هارفارد وكيمبردج وبرنستن وإم آي تي والسوربون إلى آخر قائمة هذه المراكز العلمية الفذة. الجواب بسيط. إنه البحوث العلمية وقيمتها. ادخل عزيزي القارئ موقع جامعة الملك فهد، واذهب إلى قسم «المناسبات» التي تقيمها الجامعة، ستجد في هذا العام فقط العديد من الفعاليات القيمة، منها: انعقاد مؤتمر علمي عن الألومنيوم، وفي وقت آخر انعقاد ورشة عمل عن «الجبر التراكمي»، وهو بحث في الرياضيات المتقدمة.

في شهر أيار (مايو) من هذا العام نظمت الجامعة ما يسمى بـ«يوم البحث»، ويقصد بذلك تطوير القدرات البحثية لدى الطلبة، ومن حسن حظ هذه الجامعة قربها من أرامكو السعودية التي تعتبر من أكبر الداعمين لما تقوم به هذه الجامعة من أبحاث علمية في صناعة النفط والمعادن.

على الطرف الآخر ادخل موقع جامعة الملك سعود، وستجد أن لا مكان لكل ذلك بسبب العدد المهول من الكراسي هناك.

حقيقة، لا أعلم عن المنتجات البحثية لهذه الكراسي، لكني سمعت أن الكثير منها مجرد ديكور، والله أعلم.

انتقل الحديث بعد ذلك إلى الأهم، وهو ما اخترته موضوعاً لهذه المقالة. بدأنا في الحديث عن أرامكو والهيئة الملكية للجبيل وينبع وغيرها من مؤسسات المملكة العملاقة التي تعتبر بحق مفخرة نزهو بها في كل محفل.

كيف تمكنت أرامكو أو الهيئة الملكية على سبيل المثال وليس الحصر، أن تحتفظ بجودة مبنى إداري عمره أكثر من 30 عاماً، وكأنه اليوم جديد، وللتو تم استلامه من المقاول؟ في المقابل ما الذي يحدث لمبنى حكومي في الرياض تابع لإحدى الوزارات أو المؤسسات الحكومية الأخرى بعد عام واحد فقط من استلامه واستخدامه؟ من حسن حظي أنني دخلت أرامكو مرات عدة، وتقريباً أقمت في الهيئة الملكية في الجبيل لأيام عدة في الماضي، بسبب ظروف عملي في وظيفتي السابقة. لذلك فحديثي هنا ليس تصورات أو ظنوناً بل حقائق. والصورة ليست فقط في انضباط العاملين أو جهوزية المكان ونظافته وحسن ترتيب الخدمات وسرعة إنجازها. هناك المدينة الصناعية في الجبيل وينبع أو المجمع السكني المكتبي التابع لأرامكو بشوارعه وأنظمته ونظافته وصيانته، والأهم من كل ذلك نوع الإنسان السعودي هناك.

موظفو هذه الصروح «المدن» العظيمة يتصرفون بسلوك لا تجده في نظرائهم في الرياض على سبيل المثال، وأقصد بذلك سلوكهم في الطريق والعمل والمنزل. عندما تكون هناك فإنك ستشعر حقيقة وكأنك في دولة شقيقة مجاورة، كل ما تشاهده أمامك يشير إلى التمدن وامتلاك مقومات واضحة لبناء الحضارة والرفع من قيمها. لكن في بقية مدننا مع الأسف وفي معظمها الأعم ترتسم أمامك لوحة قبيحة للفوضى والتبذير السلوكيات السيئة. كيف أصبح هذا الفرد السعودي وهذه الصفات هناك؟ وكيف تجرد منها هنا؟ إنه النظام ولا غيره.

ففي أرامكو يوجد نظام عمل ودوام صارم ومقاييس لإنتاج الموظف، وخارج المكتب يوجد نظام سير وإشارات ضوئية ونظام أمن ومواصفات دقيقة للنظافة وطبعاً عقوبات لأي مخالف.

في الرياض وأن وجدت بعض هذه المواصفات إلا أنها لا تطبق، والسبب كما نتفق جميعنا أنه لا يوجد أصلاً آليات للمراقبة، وبالتالي لا عقوبة للمخالفين. تفحص أي مكتب حكومي، وشاهد كم من الموظفين قرر الخروج لغرض ما؟ تلفت في الشارع السكني في الرياض، وسواء كنت في «دخنة» أم «المحمدية»، ودقق في الرصيف ومكان حاوية النفايات وطبيعة التشجير والحفر على الاسفلت. ستجد المنظر في الغالب بشعاً بلا أي تنظيم. في الجبيل لن تشاهد ذلك على رغم أن سكان الجبيل منا وفينا، لكنهم تهذبوا هناك بسبب صرامة ووضوح اللوائح ووجود الجهاز الرقابي الصارم، وليس لأنهم يحملون جينات مختلفة.

يا إخوان وكما أشرت في أكثر من مناسبة، نحن لا نتحدث عن تكنولوجيا صواريخ أو تطوير طاقة هيدروجينية، نحن نتحدث عن قيم عمل عالية وأسلوب حياة راق ومتطور أول من علمنا عليها ديننا الحنيف. لكن هيهات ونحن «المسلمين» أول من يسبب الأذى لجار المسجد عندما نغلق عليه منافذ بيته بحجة توقفنا لأداء الصلاة، وكأنه مسؤول عن ذلك فقط، لأنه جار المسجد. إضافة إلى أنه لن يجد ورقة مخالفة رسمية على زجاجة سيارته بعد انقضاء الصلاة.

هل تعلمون بأننا سنطور مفاهيم العمل وقيمه وأخلاقياته، وبالتالي سنرفع من جودة الإنتاج فقط في ما لو نبدأ اليوم بنقل تجارب أرامكو والهيئة إلى مدن المملكة كافة؟ ليس ذلك فقط، بل سنؤسس عشرات الآلاف من الوظائف الجديدة اللائقة بشبابنا؟

هل تعلمون بأن التكاليف المادية لهذه النقلة لن تكلف الدولة شيئاً؟ كيف؟ سنحصل في الأعوام الأولى على أموال طائلة من المخالفين الممانعين المعاندين البكائين الكسالى، كما هي الحال في برنامج «ساهر». فالسائق وحتى اليوم لم يتمكن من كبح جماح جنونه وتسيبه وإهماله وفوضويته. ولهذا فـ«ساهر» يستمر في المعاقبة وجني الأموال من المخالفات غير الضرورية على الإطلاق.

المصدر الآخر للتوفير يقع في عقود الصيانة، فعندما يتحول الشارع إلى واحة نظيفة بسبب سلوك ساكنيه فحتماً ستنخفض تكاليف النظافة عن المستويات التي ننفقها اليوم، وحتماً سيقل عدد العاملين في الشوارع، هنا ستنخفض أيضاً تحويلات الأجانب. وستنخفض بالمناسبة أكثر لو سمحنا للمرأة بقيادة السيارة كما هو معمول به في أرامكو السعودية بدلاً من لجوئنا لتوظيف السائق الأجنبي. مع الانتظام والتطبيق الصارم للوائح سيصبح الطريق أكثر أمناً وراحة إلى الحد الذي يمكن المرأة من قيادة سيارتها بنفسها من دون أن نخشى عليها من المضايقات والابتزاز. هذا هو ثمن الانضباط والتطبيق الدقيق للوائح، إنه ثمن إيجابي كيفما رأيته، ولو حتى كان مقلوباً، والعكس صحيح، ولا أجد حاجة إلى تبيان ذلك بالتفاصيل.

أرامكو السعودية هي مؤسسة سعودية يديرها ويحافظ عليها المميزون من أبناء وبنات البلد. الهيئة الملكية للجبيل وينبع هي أيضاً سعودية المولد والمنشأ ويديرها أبناء وبنات هذا الوطن المعطاء. فهل نأتي بما نجحوا به ونعمه على مدننا وقرانا، أم نبقى في الوحل ونتحدث بهذه الحسرة وننفق كل هذه الأموال فقط لتغطية عوارنا وفوضويتنا؟ الإجابة بديهية كما أراها لكن من يعلق الجرس؟ ومتى؟

 

 

* كاتب سعودي.

fdeghaither@gmail.com

F_Deghaither @

Tags not available