|   

جميل هذا «الجميل»

Print A+ a-
السبت، ١٢ تشرين الأول ٢٠١٣ (٢٠:٥٨ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ١٢ تشرين الأول ٢٠١٣ (٢١:٢٨ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

كنت جالساً بجانب المهندس محمد عبداللطيف جميل في مناسبة خاصة في الرياض قبل أسبوع، كان الحديث عموماً يدور حول سيارات تويوتا ولكزس والمستهلك وما إلى ذلك، شخصياً كان هناك أمر آخر أردت التحدث عنه، ذلكم هو العمل الخيري الذي تقدمه مجموعة عبداللطيف جميل من خلال ما يسمى وأصبح معروفاً بـ«باب رزق جميل». اقتنصت لحظة الصمت التي ارتقبتها، وبادرت الرجل بالسؤال، ما الذي دفعه إلى المضي قدماً في هذا المشروع الضخم الذي لا يحمل أي مردود مالي؟

استذكر أبوفادي الماضي، وسرد لنا تفاصيل البدايات، طرأ على المملكة في العام ٢٠٠٢ فكرة إعادة نشر مهنة سائق التاكسي للسعوديين، وهي مهنة هجرناها منذ زمن الطفرة الأولى في الثمانينات، بدأت المؤسسة آنذاك بالمشاركة في دعم توجه الدولة من خلال منح المتقدم السعودي للتاكسي سيارة تويوتا مجهزة ومرخصة، على أن يقوم المالك بالتسديد خلال أربعة أعوام بلا فوائد طبعاً.

وبالفعل، بدأت الفكرة بعدد متواضع، وما هي إلا بضعة أشهر حتى اتسعت العملية إلى بضع مئات من السيارات، ثم يستطرد المهندس محمد، ويتذكر كيف كان يتساءل وقتها، واستهوته الفكرة، هل لا يوجد إلا مهنة سائق التاكسي؟ ماذا عن الآخرين الذين لا يجيدون قيادة التاكسي أو لا يتحملون المهنة؟ وهكذا انطلق رويداً نحو فكرة تمويل وتشجيع كل من لديه فكرة لافتتاح منشأة صغيرة. كانت القروض المقترحة تراوح بين ٥٠ إلى ١٠٠ ألف ريال للمشروع، بحيث يتم السداد بانتظام بعد مزاولة العمل.

أعدت التساؤل مرة أخرى، لكن ما المردود الذي تتوقعونه من هذا العمل، وأنتم من فئة التجار الذين عودونا على المصلحة أولاً؟

«أخي فهد»، قالها وهو يأخذ نفساً عميقا: «نحن نعيش، ونعمل في وطن، كفل لنا الأمن والاستقرار، ويتعامل بمبادئ الاقتصاد الحر، وينفق بسخاء على البنى التحتية والتعليم والسكن، والجميع يبدع هنا، ويحقق أرباحاً وفي الوقت نفسه ومع كل ذلك، فالوطن لا يفرض على التجار أي ضرائب، ألا يستحق منا رد الجميل؟» قلت له بلى والله. ورد الجميل الذي اختاره المهندس محمد هنا ليست أموالاً تذهب إلى خزينة الدولة، بل أموالاً وأعمالاً تصب في بناء الفرد السعودي الذي نشترك جميعنا حكومة ومؤسسات وأفراداً في مسؤولية تأهيله. وحتى يكون العمل متوازياً مع مستوى من يقدمه من حيث الاتقان والنجاح، فتم بناء «باب رزق جميل»، وهو الاسم الذي اختاروه لهذا الفرع من الشركة بأعلى المستويات من حيث المكان ومؤهلات القائمين عليه. بمعنى أنه ليس عملاً ارتجالياً أو بيروقراطياً بل عملاً مؤسساً على منهج ولوائح ومراقبة ومتابعة لا تعرف الكلل.

اليوم بلغ إجمالي القروض المقدمة أكثر من مليار و800 مليون ريال، ويعمل في المؤسسة أكثر من ٧٥٠ موظفاً في المملكة وتركيا والمغرب ومصر، وتعتبر تكاليفهم كلها على حساب الشركة، وليست على حساب المشروع الخيري، بمعنى أن هذا المشروع لا يوفر أي عائد مالي، ولا حتى تغطية تكاليف تشغيله، قد يظن البعض أن هذه التكاليف ستخصم من الزكاة، الحقيقة أنها ليست كذلك، وأكد المهندس هذه الحقيقة، فالزكاة تخرج كعادتها إلى مصلحة الزكاة الرسمية، وهذا العمل مستقل تماماً.

حقق «باب رزق جميل» منذ تأسيسه أكثر من ٣٥٠ ألف فرصة عمل خلال 10 أعوام. كما أصبح هذا المركز عوناً لبعض المؤسسات الأخرى التي تبحث عن العاملين. إذ قدمت شركة كمال عثمان جمجوم بالتعاون مع «باب رزق جميل» توفير عدد من فرص العمل للسيدات، وذلك في مختلف فروعها حول المملكة في مجال المبيعات، إذ تجاوز 600 فرصة عمل في مهمات عدة، منها: إداريات وبائعات ومشرفات معرض.

ومن ضمن ما يقوم به هذا الفريق المبدع دعم الحالات الإنسانية، إذ تم تأهيل أكثر من ٤٢ ألف مريض وتوفير أكثر من ٣٥ ألف فرصة عمل منزلية حتى العام ٢٠٠٣ ودعم أكثر من ٦٠٠ فنان عالمي.

وفي ما يخص الأيتام فتم تنفيذ عدد من الرحلات الترفيهية حول العالم لليتامى السعوديين. في مقابل ذلك حصد «باب رزق جميل» عدداً كبيراً من الجوائز التقديرية، أهمها بالطبع: وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى، وهو الأعلى في المملكة، وقدمه خادم الحرمين الشريفين في حفلة خاصة في ٢٠٠٨. إضافة إلى ذلك وفي ٢٠٠٥، حصل على جائزة رواد العمل الاجتماعي في محافظة جدة، وجائزة حائل للأعمال الخيرية، وفي ٢٠٠٩ جائزة مكة للتميز الاجتماعي، وفي ٢٠١٠ جائزة الأمير سلمان لشباب الأعمال المميزين وجائزة المسؤولية الاجتماعية من تركيا وجائزة معهد الشرق الأوسط العريق في واشنطن،

وفي ٢٠١٢ تم تسليم المركز أفضل مبادرة لدعم ريادة الأعمال من حكومة دبي، وسلمها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للمهندس محمد في دبي.

يذكر أن هذه القروض لا تخضع لإشراف مؤسسة النقد، لكن وبما أنها مبادرات إنسانية وطنية رائعة لم يقف النظام في طريقها بل العكس هو الصحيح.

مؤسسة النقد اليوم تقترب من إعلان اللوائح الخاصة بمثل هذه الأعمال، وستعلن قريباً. هنا نثبت المقولة التي دائماً نرددها، وهي أن القطاع الخاص في الغالب هو من يقود التغيير والتطوير وليس العكس، الأنظمة قد لا تكون متوافرة، لكن المبادرات والعمل يفرضانها على الواقع.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا لا يوجد في المملكة أكثر من «باب رزق جميل» بل وأكبر منه؟ لماذا حصرنا العمل الخيري في المؤسسات الخيرية التقليدية فقط، وكلنا يعلم اليوم بأن بعض هذه المؤسسات أساء استخدام المال، وتحول العمل الذي كنا نظن أنه خيري إلى طعنات في جسد الوطن. لماذا يقتصر معظم العمل الخيري لدينا على بناء مسجد وبيت للإمام والمؤذن؟ «نعم» نحتاج مساجد، لكن هناك ما هو أهم من ذلك، لا سيما عندما تكون المسافة بين مسجد جديد وآخر أمتار عدة فقط.

هل تشريع وتصنيف الأعمال الخيرية الاجتماعية من مهمات الدولة، ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية؟ والله لا علم، لكن الذي أعرفه أن شركة عبداللطيف جميل وقبلها مؤسسة العنود الخيرية العملاقة التي تركز هي الأخرى كثيراً على بناء الفرد المنتج، أحسنتا صنعاً عندما اعتمدتا على قدراتهما وفرضتا مستوياتهما في الرعاية، تخيلوا ولو للحظة أن هذه المشاريع كانت بإدارة وزارة الشؤون الاجتماعية، بما نعرفه عنها وعن منشآتها وخدماتها.

أختتم ببضع كلمات، أوجهها إلى المهندس العزيز محمد، أنت في رأيي ورأي الكثيرين من مستفيدين ومتابعين بطل قومي «ناشنال هيرو» كما يقال، ويحق لكل فرد منا أن يفخر بكم وبأعمالكم العظيمة.

 

 

* كاتب سعودي.

fdeghaither@gmail.com

F_Deghaither @

Tags not available