|   

«النزوح العظيم» للأموال والأنفس

Print A+ a-
السبت، ١٩ تشرين الأول ٢٠١٣ (٢٢:٤١ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ١٩ تشرين الأول ٢٠١٣ (٢٢:٥٠ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

أعتذر منكم أعزائي القراء إن وجدتم هذا الموضوع مملاً ومكرراً وأنا أدرك ذلك معكم لكنني لا أستطيع أن أتجاهله لوقت طويل. ما يحدث في كل إجازة في المملكة هو أقرب إلى ما يسمى بـ«النزوح العظيم» وباللغة الإنكليزية great exodus. القادر مادياً من السعوديين سيخرج من بلاده إلى أي مكان في أي إجازة ومعه مدخراته المالية، إلا من رحم ربي. لا يهم أين يذهب المهم أنه سيخرج.

في المملكة ينتقل الناس في هذه الإجازات إلى الخارج ليمارسوا الحياة التي يرتاحون لها، معنى ذلك أننا في الوطن، ولسبب أو لآخر لا نجد الأجواء المناسبة لممارسة هذه الحياة. وهذا ليس من باب المبالغة. المملكة وبادئ ذي بدء، لا تتوافر بها الخدمات الراقية التي يتطلع إليها المواطن. سبب ذلك بالطبع ليس تقصيراً من الدولة، بل هو عزوف المستثمر عن ضخ أمواله في بلاده لتقديم مثل هذه الخدمات المكلفة مادياً. الدولة تنفق يميناً وشمالاً لتطوير المرافق والخدمات، لكنها وحدها وفي غياب المستثمر لا تكفي. خير شاهد على ذلك حديقة الملك عبدالله في الملز التي كلف تطويرها الملايين من الريالات ثم عاث بها التخريب واستفحلت بها الفوضى من يومها الأول. لو أن هذه الحديقة سلمت إلى شركة متخصصة لإدارة مثل هذه الأماكن لما حدث ما حدث. لكن وجود مثل هذه الشركة سيتطلب ترتيب دخل مادي لها في مقابل عملها، وهذا يعني في النهاية فرض تذاكر للدخول ومراقبة ومعاقبة لكل من يحدث تلفيات للممتلكات. أين هذا المستثمر؟ أين اللوائح التي قد تضمن له مع تطبيقها دخلاً مادياً يشجعه على المحافظة على المكان ويبذل الجهد طمعاً في ارتفاع عدد الزائرين؟

نعم حدثت محاولات متعددة في الماضي لإفشاء أجواء تتناسب مع العيد، لكنها فشلت في مهدها. أذكر منها برامج طموحة قام بتنظيمها الأمين السابق لمدينة الرياض الأمير عبدالعزيز بن عياف بدعم مالي ولوجيستي من القطاع الخاص. كان من بين هذه الفعاليات إحضار برنامج سيرك عالمي في أحد الأعياد. تم الإعلان عن هذه الفعالية وتحديد مكانها، وتسابق الناس مع أطفالهم للبحث عن الفرح والاستمتاع بالعرض. وما هي إلا لحظات حتى دخل عليهم أحد المواطنين الذي وضع نفسه وصياً على العباد، وأوقف العمل ودعا الناس إلى الخوف من الله! هكذا وبكل بساطة وبلا مبالغة ما حدث. توقف العرض وانصرف الناس إلى بيوتهم. هذه الناحية بالذات وأقصد المزايدة على المعتقدات واقتحام البعض لأي مكان من دون رادع أو خوف إنما يسبب للمستثمر الهلع. هؤلاء الذين يرون أنفسهم «مصلحين» هم من أكثر أسباب البؤس والكآبة في مجتمعنا ربما من دون أن يقصدوا ذلك. ولو سألنا من يسافر للخارج لماذا يفعل؟ فستجد هذا الموضوع حاضراً في قائمة الأسباب حتى لو لم يصرح به. لعل حوادث مهرجانات الجنادرية والهجوم الكاسح على مسرح جامعة اليمامة والمطاردات المميتة التي يقوم بها بعض المتحمسين من أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مخالفة صريحة للأنظمة، خير شاهد على ما نتحدث عنه. السائح السعودي حقيقة يسافر لا بحثاً عن الطقس ولا بحثاً عن المحرمات كالخمور وغيرها، ونحن نتحدث عن عائلات بكامل أفرادها، هو يسافر حقيقة لأنه يشعر هناك براحة البال التي يفتقدها في مدينته. يسافر لأنه لن يخشى من معاكسة في مطعم أو مجمع تجاري. يسافر لأنه سيقود سيارته تحت أنظمة سير صارمة، ولن يتعرض للإهانة من سائق آخر وبلا أي سبب. يسافر لأنه سيشاهد بعض الأفلام السينمائية العظيمة في صالات نظيفة وهادئة وأنيقة. يرتاح هناك لأن وسائل النقل متوافرة وآمنة ليلاً نهاراً وفي أي ساعة. ينفق مدخراته في سبيل ممارسته هذه للحياة التي افتقدها في بلاده. يكرر الكثير من علماء النفس والاجتماع أن المواطن في المملكة ومع مرور الزمن أصبح ذا شخصيتين. شخصية في الداخل يغلب على سلوكها النفاق والتلون وشخصية أخرى في الخارج تعبر عن حقيقة الشخص وشخصيته التي ارتضاها لنفسه.

أهمية كل هذا الحديث ليست الترف بالطبع، إنما ارتباط ذلك بالتنمية الاقتصادية الشاملة وبناء الإنسان السعودي. كما هو معروف فالمملكة في حاجة إلى تنوع شامل في الاستثمارات إذا كان من أهدافنا خلق أكبر عدد ممكن من الوظائف. وجود هذه البيئة المترددة الخائفة لن يدفع المستثمرين إلى المجازفات. هذا هو سبب انحسار التنمية في العقارات ومتاجر هزيلة تجتمع بها خردوات العالم من البضائع الاستهلاكية وهذا النوع من النشاط لا يولد وظائف جديدة. نعم هناك أموال يتم ضخها لكن المستفيد منها هو المقاول وتاجر مواد البناء واليد العاملة الرخيصة. التنوع الذي أتحدث عنه هو الذي يرتقي بالمنتج إلى الجودة ويعتمد في تحقيق ذلك على القوى البشرية المتعلمة والمدربة. سياحة المؤتمرات العالمية والبطولات والندوات والمناسبات الفنية الكبرى وإحياء المسرح والدراما الهادفة وبناء المنتجعات الصيفية اللائقة في الطائف والباحة وأبها وإدارتها في شكل لائق، كل ذلك سيرفع من الحاجة للموظفين المميزين. ليس هنا في هذه الفعاليات فقط، بل سينعكس بطريقة غير مباشرة على الضيافة والنقل والمطارات وخدمات التغذية. وكما سبق أن أشرت إليه في مناسبات عدة، فبليون ريال في استثمار صناعي نفطي على سبيل المثال لن يخلق للسعوديين أكثر من 100 وظيفة فقط، بينما بليون ريال في أنشطة ترفيهية فنية سياحية سيخلق ربما عشرة آلاف وظيفة. الأول اعتمد على الأجنبي وآلياته، والثاني سيعتمد على الإنسان المدرب، إذ لا وجود هنا للآليات.

التنمية وبناء الفرد لا يمكن أن يتحققا في بيئة منغلقة خائفة. فهل ننتبه إلى هذا النزوح الكبير المكلف مادياً واجتماعياً ونعيد النظر في بناء الوطن الذي يفتح ذراعيه لأبنائه ويستقبل زائريه برحابة الصدر ويتميز بتقديم أفضل وأرقى الخدمات لهؤلاء الضيوف؟ أم نستمر في معايشة هذه المستويات المتدنية من الانضباط ونعاني من تبعاتها الاقتصادية ونمارس هذه الازدواجية المدمرة لشخصياتنا ونتحمل الأثر الاجتماعي الخطر الذي لن ينتج معه بناء إنسان هذا الوطن كما نتأمل؟ لا أظن أن الإجابة في حاجة إلى عبقري ودراسات وورشات عمل، خصوصاً في هذا الوقت الذي ومع نشر كل إحصاء عن عدد العاطلين والعاطلات، نشعر بالرعب والحيرة والقلق من المستقبل.

 

 

* كاتب سعودي.

fdeghaither@gmail.com

Tags not available