|   

صفقة التبادل إذ تعلن موت بلد بسلطته ومعارضته

Print A+ a-
السبت، ٢٦ تشرين الأول ٢٠١٣ (١٥:٥٦ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٢٦ تشرين الأول ٢٠١٣ (١٦:١٢ - بتوقيت غرينتش) حازم الأمين

أتاحت صفقة مبادلة اللبنانيين المخطوفين في بلدة أعزاز في شمال سورية بالطيارَيْن التركيَّيْن المخطوفين في بيروت كشف الوضع السوري على نحو مأسوي غير مسبوق. فسورية كانت غائبة عن الصفقة، على رغم شملها ثمانين معتقلة سورية في سجون النظام. لا بل إن شمل التبادل السوريات المعتقلات ضاعف الغياب والامحاء السوري.

لا سورية في مفاوضات التبادل. لا معارضة ولا نظام. لقد نصت الصفقة على الإفراج عن اللبنانيين في أعزاز في مقابل الإفراج عن الطيارين التركيين. وفي ملحق خاص شملت الصفقة المعتقلات في سجون النظام.

الصفعة مزدوجة، فهي شطبت وجهي النظام والمعارضة في آن. النظام الذي أفرج عن مواطنات سوريات ليُحرِّر مخطوفين لبنانيين، والمعارضة التي عجزت عن مخاطبة اللبنانيين عبر دور لها في فك أسر مواطنيهم المخطوفين عند عصابة مسلحة تقيم في مناطق نفوذ المعارضة!

لا سورية في الصفقة. فقد تولت كل من أنقرة والدوحة مفاوضة الخاطفين السوريين، فيما تولى المدير العام للأمن العام اللبناني التواصل مع النظام السوري، ومع الخاطفين اللبنانيين. أما الأسيرات السوريات في سجون النظام فقال الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصرالله إنه أخذ على عاتقه «الشخصي» قضيتهن.

للتفصيل الأخير دوره في رسم المأساة السورية. فهو مؤشر الى أن النظام في دمشق انتهى أيضاً، وكف عن الادعاء أن في وسعه أخذ أسيرات في سجونه على عاتقه. أهدى النظام هذه الطاقة إلى نصرالله، مثلما كان أهداه القتال في مدينة القصير، وحماية مقام السيدة زينب في دمشق. فـ «حزب الله» لا يقاتل في سورية دفاعاً عن النظام، بل لأنه حل بقتاله هناك محل النظام. صار صاحب الأمر في دمشق، وصار النظام ملتزماً ببرنامجه. ليس «حزب الله» في هذه الحالة هو الحزب اللبناني الذي سبق للنظام في دمشق أن أدّبه في بيروت أواسط الثمانينات. «حزب الله» في سورية هو طهران، وهو الفرع اللبناني لـ «الحرس الثوري» الإيراني، وهو أحد الألوية المتعددة الجنسية التي أوفدها قاسم سليماني إلى دمشق.

واذا كان «حزب الله» قد أعطي حق أخذ الأسيرات السوريات «على عاتقه»، فإن المعارضة السورية لم تُعط شيئاً في عملية التبادل. لقد تعاملت أنقرة والدوحة مباشرة مع الخاطفين بصفتهم عصابة مافيا غير موصولة بوضع سياسي وميداني على أرض سورية. تسرّبت أخبار عن أموال دُفعت للخاطفين، ولم يُطلب من الهيئات «الرسمية» في المعارضة جداول بأسماء أسيرات. كانت المسألة مفاوضات بين طهران والدوحة وأنقرة، وكانت استجابة لطلب الرئيس اللبناني ميشال سليمان من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد التدخل لإنهاء المأساة.

هذا المشهد السوري القاتم ينسحب على الواقع كله. فقد جرى تهميش الوظيفة السورية للصراع هناك لمصلحة وظائف أخرى بدأت تتكشف. النظام في دمشق صار أضعف من «حزب الله»، وصارت للأخير طاقة على تحرير الأسرى السوريين من سجونه، وما قول نصرالله إنه أخذ قضية السجينات على عاتقه إلا من باب مكاشفة السوريين بأنه هو، وليس النظام، من عليهم أن يتوجهوا إليه في ضائقاتهم مع نظامهم الجائر. وهو مَن يُحرر الأسرى، وعلى رغم تهجيره سكان مدينة القصير، هو مَن يُوزع المساعدات على اللاجئين بصمت ودأب وتصميم.

مات النظام في سورية. بشار الأسد يُطلق مواطنات سوريات من السجون ليس لأنهن أُسِرن جوراً، وليس لأنه أصدر عفواً خاصاً، انما ليُنجح صفقة تبادل عقدها «حزب الله» مع الدوحة وأنقرة.

ومثلما كشفت الصفقة عن موت النظام، كشفت أيضاً عن موت المعارضة التي يُفترض أن تكون مسؤولة عن حوالى مليون ونصف مليون لاجئ سوري في لبنان. وهؤلاء كانوا بأمسّ الحاجة لأن تُخاطِب معارضتهم الحكومة اللبنانية بخطوة الإفراج عن المخطوفين ومبادلتهم بحقوق اللاجئين، لا بطيارَيْن تركيين خطفا بعد إخفاقات متتالية في مساعي الإفراج عن مخطوفي أعزاز.

في لقاء تلفزيوني حديث العهد قال الرئيس السوري إنه ذاهب الى «جنيف2» لمفاوضة الدول التي تقف خلف فصائل المعارضة، لا لمفاوضة المعارضة. ينطوي هذا الكلام على عجرفة سياسية مستمدة من تاريخ بعثي طويل في نفي وإلغاء وقتل كل من هم خارج عباءة النظام. لكن أنقرة والدوحة استجابتا سريعاً لكلام بشار الأسد. أخرجتا المعارضة من واقعة سياسية وأمنية مؤسسة للعلاقة بين دول الجوار وبين الواقع السوري. قالتا للبنان ولـ «حزب الله» ومن خلفه ايران: «في سورية الأمر لنا»، ولم تجدا لدى فصائل المعارضة حساسية وطنية يستفزها هذا القول. لم يصدر تصريح واحد من الأطراف السورية المعارضة يُعلن ضيقه بما جرى.

وعلى الطرف الآخر من معادلة الوهن السوري، أعلن حسن نصرالله إخراج النظام من مهمته البديهية المتمثلة بشمل المواطنين بعفو الرئيس. قال إنه سيتم الإفراج عن السجينات لأنه أخذهن على عاتقه. وكان قبل ذلك أعلن أنه سيقاتل في سورية من دون أن يراعي ما قد يعني إعلانه هذا، أي الانتقال من الدفاع عن النظام الى الحلول محله في إدارة الحرب وفي إدارة سورية ذاتها.

يُلخص هذا الواقع الحال الذي سيتوجه السوريون الى «جنيف2» وفقه. فإذا كان بشار سيفاوض هناك دولاً، وليس قوى المعارضة، فإن الأخيرة ستجد نفسها في مواجهة طهران كمفاوض وكصاحب الأمر الفصل في التنازل وفي الالتزام، وفي أخذ القضايا العالقة «على عاتقه».

ربما يجيبنا معارض سوري بأن سورية الداخل لم تكن يوماً جزءاً من معادلة النظام البعثي، وان الإقليم كان متقدماً دائماً على مصالح السوريين، وبهذا المعنى لا شيء جديداً اذا انتقلت إدارة المأساة السورية من حزب «البعث» الى «الحرس الثوري» الإيراني. هذا الكلام سيكون صحيحاً اذا استبعدنا حقيقتين، الأولى أن سورية دفعت حوالى 200 ألف قتيل لتخرج من هذا الواقع، والثانية أن «البعث» سوري على رغم جوره، أما «الحرس الثوري» فهو من بلد لا حدود له مع سورية.

Tags not available