|   

«داعش» وأمير بيشاور!

Print A+ a-
الجمعة، ٠١ تشرين الثاني ٢٠١٣ (١٧:٤٣ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٠٢ تشرين الثاني ٢٠١٣ (٠٠:٣٠ - بتوقيت غرينتش) جمال خاشقجي

بلاكيوت مدينة باكستانية عجيبة، تقع على سفوح الجبال، ثرية بطبيعة خلابة، فقصدها السياح ولا يزالون، ولكن ليس مثل أيام خلت، فهي أيضاً ضمن بلاد طالبان باكستان الذين لم يتصالحوا بعد مع جيش بلادهم. وعندما لا يهاجمون قافلة للجيش يكتفون بإحراق متجر يبيع أقراص أفلام مزورة. ثمة علاقة بينها وبين السعودية، فهي الدولة التي هبّت لمساعدتها عندما دمر زلزال عنيف عام 2005 المدينة بالكامل، فتبرعت المملكة بإعادة بنائها.

ولكن هناك علاقة أخرى مع السعودية أكثر حميمية، فهي تضم قبر سيد أحمد الشهيد الذي حرر المنطقة من حكم السيخ، وأسّس دولة إسلامية هناك في القرن الـ18 وصفها رجال الاستخبارات الإنكليز وقتها، والذين كانوا يراقبونه باهتمام، بأنها «وهابية». نعم كان ذلك في القرن الـ18، بل إن شيخه شاه ولي الله الذي يعد مجدِداً في الهند وله الفضل في نشر مدرسة أهل الحديث والتوحيد، كان صديق دراسة في المدينة المنورة للشيخ محمد بن عبدالوهاب، فكلاهما ثنى الركب في رحاب الحرم النبوي عند شيخهما محمد حياة السندي، الذي غرس فيهما مبادئ التوحيد وكراهية البدع، واتباع السلف، وإقامة شرع الله في الأرض بالدعوة والجهاد، فعاد كل منهما إلى بلده ليغيّر مجرى التاريخ.

تلاميذ ولي الله لم ينشروا دعوة التوحيد فقط في الهند، وإنما كانوا الشوكة التي وخزت الإنكليز لعقود، فأقاموا علم الجهاد هناك، ويبدو أن ضباط الاستخبارات الإنكليزية في البصرة وبومباي قارنوا تقاريرهم ببعض، فانتهوا إلى تسمية أتباع ولي الله ومن ثم تلميذه سيد أحمد بـ«الوهابيين»، إذ كانوا يشتركون مع نظرائهم في الجزيرة العربية في تمسكهم بصفاء الإسلام وحماستهم للجهاد.

ولكن الأفكار العظيمة يفسدها الأتباع المتحمسون قليلو الخبرة والحكمة دوماً، فبعدما نجح سيد أحمد في تحويل قبائل البشتون إلى «مجاهدين»، وكان مصطلحاً جديداً عليهم، وحبّب إليهم إسلاماً نقياً من البدع والخرافات، وطبّق فيهم شريعة الله بعدما كانوا يطبّقون أعرافهم القبلية الصارمة «باشتون والي»، وأقام في تلك المنطقة النائية من الهند دولة إسلامية، وانتصر على السيخ وجيشهم الذي كان يسيطر على المنطقة، فدخل بيشاور ظافراً عام 1830 وسط ترحيب أهلها وشيوخ قبائلها.

لم يقم فيها طويلاً، بعد أسابيع احتفالية قضاها هناك، غادرها بعدما عيَّن قائداً متحمساً خليفة له وهو الملا مظهر علي، وعاد إلى معقله وسط الجبال وبين القبائل البشتونية. خلال شهرين فقط خرّب مظهر علي كل ما بناه سيد أحمد طوال عقد كامل، ففرض على السكان أحكاماً اصطدمت بعاداتهم القبلية، مثل تزويج الفتيات فور بلوغهن بمجاهديه، كما أصدر أحكام قصاص لم يكن الأهالي قد تعودوا عليها، ووجدوها صادمة لأعرافهم، وفي النهاية عقدوا «لويا جيركا» (مجلس كبير)، وخلعوا بيعة سيد أحمد وأعلنوا عليه وعلى مجاهديه الحرب. استغل السيخ الفرصة فساندوا القبائل الثائرة، وسالت دماء كثيرة خلال العام اللاحق، انتهت بمقتل سيد أحمد وهزيمة الحركة، وعادوا إلى حكم بيشاور، وهكذا انتكست حركة تحرر حقيقية، وإصلاح ديني مستحق بسبب حماقات قلائل. إنه تاريخ يعيد نفسه دوماً!

ما سبب هذه القصة الطويلة؟ إنه تنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية» الشهير بـ«داعش»، وما يفعله بالثورة السورية التي تمر بأحلك فترة منذ بدايتها قبل عامين ونصف العام، فما إن دخلت الساحة حتى أخذت تتعامل بفوقية مع الآخرين، وأن على الجميع السمع والطاعة لأمير المؤمنين أبوعمر البغدادي الذي لم يره أحد، ولم يتلق بيعة في مكان عام! لا يعتقدن أحد أن استخدامهم لمصطلح «الدولة» وتسمية زعيمهم «أمير المؤمنين» مجرد عبث أو شهوة حكم، إنما هو استنزال قسري لحكم فقهي تريده «داعش». إنها نظرية «الطائفة المنصورة» التي ما إن تظهر إلا وتقيم الحجة على كل مسلم عَلم بها، وعَلم ببيعة «المؤمنين» لأميرها، فيُلزم حينها بالطاعة وإن لم يبايع، وإلا فسيكون حكمه القتل، فهو خارجي شق عصا الجماعة. إنه موسم فتاوى التكفير والقتل من مصر وحتى سورية.

وبينما يضطر القادة الميدانيون إلى مداراتها والتعامل معها في الداخل بعدما ضيّقت عليهم السبل، وقل عنهم الدعم والسلاح، بل إن بعضهم وجد نفسه يختار بين النظام أو «داعش» فاختار الأخيرة على مضض، فإن أصوات الناقدين لها آخذة في الارتفاع. داعية معروف وصفهم بـ«الخوارج» ودعا إلى استئصالهم، ثم عاد وسحب كلامه قائلاًَ إن الشريط الذي انتشر «مجتزأ»!

لا يلام، فـ«داعش» يدها غليظة وطويلة، وثمة تداخل بينها وبين تياره المتشدد الذي يعيش بيننا، والذي يؤازرها بالتبرير لها تارة وترهيب ناقديها تارة أخرى، ولكن الأيام كفيلة بفرز المواقف، فقبل أشهر كانت «جبهة النصرة» هي الممثل لـ«القاعدة» والتطرف لدى الإعلام، والسياسيون يحذرون منها، ويعتذر الأميركيون عن تسليح الثورة بسببها، ولكنها اليوم تبدو ملاكاً بجوار «داعش»، بل توثقت علاقاتها بالكتائب الإسلامية المعتدلة في سورية مثل «لواء التوحيد» و»أحرار الشام» والتي أعلنت من البداية رفضها للتكفير والعمليات الانتحارية واستهداف الأقليات، وكأن هذه الكتائب المعتدلة تعلم أنها إن بقيت في الساحة وحدها فلن تتردد «داعش» في الانقضاض عليها، فهي كما سبق ذكره لم تسمِّ نفسها «دولة» ولا زعيمها «أميراً للمؤمنين» عبثاً، وإنما سنداً فقهياً تستخدمه للتكفير، ولكي تلوي عنق النص فتستخدم «اضربوا رأسه بالسيف كائناً من كان» على أساس أنهم جماعة المسلمين، وأميرهم أميرها الذي اجتمعت عليه «الأمة» فوجبت طاعته.

ولكن ظَهْر علماء سورية الذين صدعوا بالحق «مكشوف» ما لم يقف معهم كبار علماء الأمة، فـ«داعش» هي حال أمير بيشاور الذي خرّب بحماقته وفتاواه جهد أعوام، فهي إذاً من سيخرّب سورية على أهلها وجيرانها، وليس سورية فقط، وإنما حيث ما حلت بفكرها المنحرف وحدثاء أسنانها في مصر وتونس والمغرب العربي وجنوب الصحراء واليمن والصومال!

هل تستطيع قمة متجردة لله لا للسياسة تجمع علماء الأمة بكل أطيافهم أن تقيم الحجة على هؤلاء الخوارج، وتعيد بناء سد الشريعة وتقوى الله الذي كان يحمي العقل المسلم؟ لا أعتقد!

 

 

* إعلامي وكاتب سعودي

Tags not available