|   

المجرم الوطني

Print A+ a-
الخميس، ٠٧ تشرين الثاني ٢٠١٣ (١٩:٤٨ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٠٧ تشرين الثاني ٢٠١٣ (٢٣:٥٠ - بتوقيت غرينتش) حسام عيتاني

في وقت يسجل فيه عناصر الشرطة مخالفات السير للسائقين الذين يتركون عرباتهم مركونة أكثر من الوقت المحدد في بعض شوارع بيروت، تعجز الدولة اللبنانية عن جلب متهمين بارتكاب مجازر حقيقية للمثول أمام القضاء.

صحيح أن العجز لا يفترض أن يعمم على كل مفاصل الحياة العامة، بيد أن مآل مذكرات الاستدعاء الصادرة بحق عدد من المتورطين في تفجيري مسجدي «التقوى» و «السلام» في طرابلس، يدعو إلى عقد المقارنات. فالأدلة التي تسربت إلى وسائل الإعلام عن المسؤولين عن جريمتي التفجير تتطلب على الأقل التسريع في إحضار هؤلاء للاستماع إلى أقوالهم في ما يُنسب إليهم. لكن المستدعين قابلوا المذكرات بالازدراء وبالتهديد بإشعال الحرب الأهلية في البلاد. وهذه بذاتها تهمة يحاسب عليها القانون.

تحيل صعوبة جلب المتهمين إلى التحقيق، ناهيك عن محاكمتهم، إلى واقع السياسة في لبنان والمشرق العربي. غني عن البيان أن القسم الأكبر من عمليات الاغتيال والتفجير والتطهير الطائفي والعرقي التي تجري هنا منذ عقود، يتحمل مسؤوليته أشخاص وجهات معروفة بالأسماء والعناوين. كانوا وسيظلون خارج أقفاص الاتهام. ولا يجدون حرجاً في الإعلان عما ارتكبوا ويرتكبون وما سيرتكبون. المسألة لا تدخل في باب المسؤولية الجزائية بقدر انضوائها في سياق «العمل الوطني».

ذلك أن من يرسل سيارة مفخخة لتنفجر بين مصلين يخرجون من مسجد ما، لا يفعل ذلك بدوافعه الشخصية أو كراهيته الفردية بقدر ما يقوم بذلك من أجل مصلحة عليا تبرر، حكماً، قتل المدنيين وتقطيع أوصالهم. اسم المصلحة يرتبط بـ «قضية» غامضة الملامح تشمل مقاومة إسرائيل وتحرير فلسطين والتصدي للاستكبار، وأضيفت إليها أخيراً أولوية جديدة هي محاربة «التكفيريين». وهذه روافد تصب كلها في بحر الاحتفاظ بالسلطة المطلقة لمجموعات مافيوية دموية تحتكر مؤهلات الحكم في الداخل و «الحكمة» في العلاقة مع الخارج. لا أكثر.

واللعب خطِرٌ مع أصحاب رخصة القتل المفتوحة. ومن لا تحميه جماعة لا تقل وحشية وعنفاً عن كهنة الإعدام السياسي في شوارع المدن، حري به أن يحفظ رأسه بعيداً عن هذه اللعبة. فالدولة وأجهزتها لا تكفي لحماية من يصدر الحكم بموته، على ما تقول تجربة اللواء وسام الحسن.

ما الذي يمكن استنتاجه من استسهال اللجوء إلى القتل الجماعي أو الانتقائي بالعبوات الناسفة والسيارات المفخخة؟ ثمة ما يتجاوز بأشواط الرغبة في تحقيق أهداف سريعة وتوجيه رسائل مؤلمة إلى الخصم. محاولة النفاذ إلى عقل «المجرم الوطني» ليست بالغة الصعوبة: انحسار السياسة في معناها الواسع كإدارة للاختلاف بالوسائل السلمية والطلب الشديد على السلطة في غياب آليات لتداولها، إضافة إلى تاريخ راسخ من توسل العنف في التخاطب الفردي والعام وعلاقات الأقليات والأكثريات المضطربة والعدائية، يجعل من إلغاء الآخر، بالاعتقال والتصفية الجسدية والسيارات المفخخة أدوات «منطقية» في التعامل.

من جهة ثانية، تدفع أزمة الشرعية وإحساس القوى الممسكة بالسلطة – ضمن الدولة أو خارجها- بافتقارها الدائم إلى ما يسوغ بقاءها في مواقعها، إلى اللجوء نحو أقصى ما في ترسانة الطغمة التسلطية من ممارسات عنيفة، تغطيها بخطاب أيديولوجي مفكك ومتهالك لا يصمد أمام سؤال أو نكتة.

عليه، يبدو تجاهل الانتهاك الفظيع لألف باء عمل مؤسسات الدولة الذي تقوم به جماعات مسلحة تستمد حقها في التمرد على القوانين المتفق عليها من التاريخ والخوف والعصبية، الحل الوحيد أمام بقايا الدولة ورواسبها التي تكتفي، سعيدة، بتسجيل مخالفات السير في بعض الشوارع العالقة في برزخ الدولة.

Tags not available