|   

أوقفوا هذه الحملات

Print A+ a-
السبت، ٠٩ تشرين الثاني ٢٠١٣ (٢١:٣٩ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٠٩ تشرين الثاني ٢٠١٣ (٢١:٤٧ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

نعاني في المملكة من تكرار المخالفات سواء في السير أم السلوكيات العامة أم في أمور ومواقف تتصل بالأمن عموماً، ويتضح للمراقب عجزنا على عدم القضاء عليها في الصورة المأمولة. سبب ذلك لا يمكن أن يتعدى حقيقة واحدة ألا وهي زوال الشعور بالخوف لدى مرتكبيها. فالمخالف عندما يدرك أن هناك مراقبةً وعقاباً بعيداً عن الواسطة أو التمييز فحتماً سيفكر مئة مرة قبل أن يقدم على جرمه. والدليل بالطبع هو سلوك هذا الشخص نفسه عندما يكون في الخارج. على أن هذا الكلام لا يعني عدم وجود الرغبة لدينا لمواجهة المخالفين. على العكس، فالرغبة قوية لكن مشكلتنا في الحقيقة تكمن وتنحصر في الوسائل والآليات المتبعة لمعاقبتهم.

عموماً، نحن نتراخى كثيراً في مواجهة المشكلات والمخالفات حتى تستفحل، وعندما تستفحل يأتي ردنا قوياً ومنفعلاً. مثل هذه الانفعالات مع الأسف، لا تحل الأزمة، لأنها لا تأخذ طابع الاستمرار، فهي مجرد انفعال مغلف بالملل والتضجر، الأدهى أن المواطن والمقيم أصبح على دراية تامة بذلك، فعرف آليات هذه الحملات وتمرس فنون الهرب منها، واستطاع في النهاية أن يكمل حياته حراً طليقاً من تبعات ما يقوم به من تصرفات أقل ما يقال عنها إنها تنم عن غياب تام للشعور بالمسؤولية، وأحياناً تصل إلى حد الخيانة والغدر. ولمن يشكك في كلامي أدعوه إلى هذا الاستعراض الموجز لبعض هذه الحملات السابقة وما آلت إليه.

كلنا نتذكر قبل عامين حملة المرور لربط حزام الأمان، وتمركز الدوريات في كل زاوية وعند كل أشارة، للتأكد من امتثال السائق لهذه التعليمات. كان الموضوع وقتها حازماً، وأذكر أنني كنت أشاهد السائقين بجانبي وخلفي، وأرى الجميع ممتثلاً. الحقيقة أن المرور طبق «حملة» محكمة وقوية، لكنها مع الأسف انتهت بعد بضعة أسابيع. اليوم أين ترى السائق الذي يربط حزام الأمان؟ ماذا عن حملات مواجهة التفحيط ومحاولاتنا المستمرة للقضاء على هذه الظاهرة؟ عايشنا حملة البلدية لمنع بيع الخضار على الأرصفة تحت لهيب الشمس القاتل، ما يؤدي إلى تلف المأكولات. خاف الباعة المتجولون واختفوا، لكن سرعان ما عادوا. وماذا عن حملات سوق الخضار وسعودة البائعين؟ ماذا حل بحملتنا الموجهة ضد حاملي الشهادات العليا المزورة وأين النتائج؟ ماذا عن حملات التفتيش التي تقوم بها وزارة التجارة والصناعة في المناطق الصناعية، بحثاً عن المتسترين من أصحاب الورش؟ أين حملات الترشيد لاستهلاك الطاقة؟ ومن الحملات التي لا تنسى وأذكرها منذ أن كنت طفلاً حملتا أسبوع النظافة وأسبوع المرور. والنتيجة لكلتا الحملتين «صفر» فلا نظافة ولا انضباط في السير. هل تذكرون حملاتنا المباركة ضد الغلو والتشدد اللذين دفع ببعض فلذات أكبادنا إلى العنف؟ «نعم»، جنينا ولله الحمد الكثير، وغلب الاعتدال كثيراً على التطرف، لكنه يعود هذه الأيام، ويتم التحريض عليه جهاراً نهاراً من دون خوف لدى هؤلاء المحرضين.

اليوم تقوم وزارتا الداخلية والعمل بحملات كبيرة لملاحقة مخالفي الإقامة. هذا عمل جبار، ويتصل بأمن الوطن، ولا بد من شكر القائمين عليه، وتعظيم التحية لهم. تم القبض بالفعل على الآلاف من الأفراد في الأيام الأولى، غير أن الأخبار أشارت أيضاً إلى ظاهرة وجود العديد من المحال التجارية والورش في المناطق الصناعية وهي مغلقة، سبب الإغلاق البديهي أن هناك بائعين وفنيين مخالفون، وهناك مواطنون يتسترون عليهم. خوفي الحقيقي هو أن نتراخى بعد أيام أو أسابيع قليلة ثم يعود هؤلاء إلى محالّهم وورشهم وممارسة أعمالهم/ وكأن شيئاً لم يكن. أكرر وأقول: هكذا نحن ننهض بقوة، وننفعل ونغضب ونهدد، لكننا سرعان ما نتكاسل ونتوقف. إنني متأكد أن لديكم معشر القراء الكرام العديد من الأمثلة المشابهة المتصلة بحملات التفتيش المتنوعة وما تنتهي إليه.

الواقع أن القضاء على المخالفات ليس بهذه الصعوبة والتعقيد، ولا يتطلب منا إعادة لاختراع العجلة. الحل يتكون من خطوات عملية واضحة وسهلة، تبدأ أولاً بسن القوانين والتشريعات وإيضاح العقوبات بالتفصيل غير القابل للجدل والنقاش. يلي ذلك نشر هذه المواد عبر أجهزة الإعلام وعبر الكتب والمطويات التي يمكن أن توزع مجاناً في كل مكان. بعد ذلك أو أثناء ذلك يأتي إعداد مفاتيح النجاح وأقصد بذلك المراقبين المؤهلين لكل جهاز رقابي وفي طليعتهم أفراد الشرطة والمرور من بين العديد من الجهات الأخرى ذات العلاقة، إعدادهم من خلال التدريب المناسب والمتطور وإخضاعهم لدورات مكثفة في صميم العمل وكيفية التعامل مع المخالفين. والأهم من إعداد المراقب وضع المكافآت المجزية والمحفزات المغرية التي تعتمد على الجهد الفعلي وحجم الإنجاز. المحفزات التي تسهل اكتشاف الفارق بين أداء هذه الأجهزة والأفراد. أخيراً يتم إعلان بدء سريان هذه القوانين وتطبيق العقوبات لمن يخالف من دون اللجوء إلى تسميتها حملة أو نحو ذلك. مجرد قوانين وأنظمة يجب الامتثال لها في كل الأوقات. وليس ضرورياً بالمناسبة أن نقضي على كل شيء خلال يوم أو أسبوع في شكل سريع وأحياناً مضر، لكنها مع العزيمة والإصرار والوقت ستختفي، وسيتحول الانضباط عموماً إلى ثقافة شعب لطالما افتقدناها.

لماذا نفعل ذلك وما فوائد الانضباط الذي نسعى إلى تحقيقه؟ صحة المستهلك أولاً، فهو من سيقبل على شراء مواد غذائية، قد تكون مسممة بفعل الظروف البيئية المحيطة بنقلها وعرضها. المحافظة على نظافة البيئة والمدينة ممن يتعمدون رمي القاذورات في أي مكان، ما سيقلل من كلفة النظافة. السلامة المرورية والمحافظة على الأرواح وإقلال الإصابات المرتبط بتكاليف العلاج والمتابعة فضلاً عن الذوق العام والتمتع بالقيادة في شوارع وطرق آمنة. تكريس الأمن الفكري وقطع الطريق على من يتربص بنا، مستخدماً عذب الكلام وحسن الألفاظ. المحافظة على الثروات المائية الشحيحة في بلادنا. وفي حالات التحرش في الأسواق والأماكن العامة، فسنجد الطمأنينة والهدوء في المجمعات التجارية والحدائق، لأن المتحرش سيشعر بالخوف من العقاب الرادع.

لنتوقف إذاً عما يسمى بالحملات، وننطلق إلى ما يعرف بدولة القانون الذي يعتبر تطبيقه على الجميع حملة مستمرة طوال الحياة. سنكتشف بعد ذلك كم هي جميلة مدننا، وكم هي نظيفة أحياؤها وشوارعها. سنكتشف كم فرص وظيفية جديدة انفتحت علينا من دون خوف من منافسة غير عادلة، يقودها مقيم مخالف. سنستمتع ببيئة جاذبة للاستثمارات ومشجعة على الإبداع. ستقل كوارث السير، ويخف الزحام على المشافي، وتقل زيارات العزاء، كل ذلك فقط لأننا بدأنا نستوعب أهمية الصحة والنظافة والسلامة وخطر الغش والتزوير والتحرشات والتحريض، ثم قررنا أن نحافظ على منجزاتنا ومكتسباتنا من خلال محاربتنا المستمرة، ووقوفنا بحزم ضد كل من يعكر هذا الصفاء. ما الصعوبة في تنفيذ خطط كهذه، ولدينا الشبان المؤهلون والإمكانات المادية واللوجستية والنوايا الصادقة؟

 

 

* كاتب سعودي.

fdeghaither@gmail.com

F_Deghaither@

Tags not available