|   

دولة الشام الفيديرالية

Print A+ a-
الخميس، ٢١ تشرين الثاني ٢٠١٣ (١٩:١٦ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٢١ تشرين الثاني ٢٠١٣ (٢٣:٥٤ - بتوقيت غرينتش) حسام عيتاني

بعد سبعين عاماً على استقلاله، يبدو أن لبنان خسر أي معنى لوجوده كدولة ذات سيادة. وليس تاريخه الحديث (والقديم) غير سلسلة لا تنتهي من الأزمات الطاحنة تعبرها بعض فترات الهدوء ووقف إطلاق النار.

ويكثّف لبنان ازمات الهوية والكيان والدور التي تعم العالم العربي خصوصاً في مشرقه. وعادت الى البروز الأصوات الداعية الى تغيير جذري في بنية وصيغ الحكم في هذه الدول بعد قرن من الزمن ذهب هباء منثوراً وشهد انهيار احلام دولة الوحدة والدولة الوطنية العربية.

بيد أن الدعوات تلك تمضي عموماً في طريقين: اما الانفصال على اساس عرقي – ديني، او فيديرالية ضمن حدود الدولة التي رسمت حدودها اتفاقية سايكس – بيكو. نزعم أن الطريقين سيفضيان الى تجديد الأزمات وفتح الباب لصراعات مقبلة تتأسس على العجز عن بناء اقتصادات ناجحة في ظل قلة الموارد الطبيعية في هذه المنطقة والتضخم السكاني الكبير.

وفي زمن تتداعى فيه الدول – الامم وفق مفهوم القرن التاسع عشر وتبدو فيه المشاريع الامبراطورية خطراً ماثلاً يهدد ما تبقى من تماسك داخل الدول العربية، يصح التفكير بأطر جديدة لحكم ذي قاعدة واسعة تقلل الى الحد الأدنى الاحتكاكات العرقية والطائفية والجهوية.

ولعل دولة فيديرالية تضم لبنان وسورية، وتتمتع أقاليمها بسلطات حقيقية في مجالات الاقتصاد والتنمية والتعليم وحتى الشؤون الخارجية، تفيد في إطفاء سعار الهويات والطوائف وتضمن مصالح وحقوق العرب والكرد والسنة والشيعة والمسيحيين والعلويين وغيرهم. أما إذا اردنا البقاء في اطار البحث الجدي، فلا مفر من الدعوة الى ضم اسرائيل والاردن الى دولة الشام الفيديرالية.

ستوفر الدولة المقترحة حلاً لمشاكل الاقليات والطوائف، من جهة، وبما انها تضم القسم الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين، فإنها ستحمل التسوية التاريخية بين العرب واليهود الذين يشكلون أحد أضلع الفيديرالية. وسيكون للفلسطينيين، بصفتهم مواطنين في هذه الدولة الإقامة في المناطق التي يرونها مناسبة لهم الى جانب اقليمهم الفيديرالي او جمهوريتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، من الجهة الثانية.

وسيُشرع من جديد في رسم خرائط الأقاليم وفق معطيات اوضح واكثر انسجاماً مع الواقع الذي أكدته تجربة الاستقلالات المريرة. وستعالج المسألة اليهودية التي تهم الغرب، بالتوازي مع حل القضية الفلسطينية، بوجوهها الوطنية والاخلاقية والانسانية. كما سيجد المسيحيون اللبنانيون والعلويون السوريون، مثالاً لا حصراً، مخارج لقلقهم وخوفهم، واجابات على تساؤلاتهم المحقة.

معلوم حجم «الثوابت» و «المقدسات» ومكتبات المشاعر الوطنية التي تتحداها هذه الفكرة. في المقابل، يفيد النظر في انسداد آفاق التطور السياسي والاجتماعي في لبنان وسورية، والاخفاق التاريخي للحركة الوطنية الفلسطينية ومثول الحرب الأهلية الطائفية والعرقية، بديلاً وحيداً عن الفشل في بناء كيان سياسي قادر على الحياة والازدهار، بقصور الأفكار الجاهزة والمسبقة الصنع في وِرَش الانظمة والمعارضات التقليدية في آن واحد.

وجلي أن الانظمة التي تقاتل بشراسة تلامس حد الجنون الخام للحفاظ على امتيازاتها وسلطاتها، ليست في وارد الاعتراف بانتهاء زمن الاقليات المستعينة بالشعارات العلمانية والقومية المفرغة من مضمونها، ووقوع الانظمة والاقليات في هوة لا نهوض لها منها، وأن «القضية المركزية» تغيرت تغيراً نوعياً في الاعوام العشرين الماضية وسط الاصرار الدولي على غض النظر عن الاستيطان والاحتلال ودعم اسرائيل بلا حدود.

انكفاء الاقليات نحو حصونها وسيادة عقلية «الماسادا» وتعميمها لن تسفر إلا عن المزيد من الخسائر والفوات وانعدام اسباب الحياة في هذه المنطقة. ويحض الوقت القليل الباقي، الجميع على الانخراط في تفكير يقوم على تقديم المصلحة (حتى الانانية والضيقة منها) على خيار الانتحار الجماعي.

Tags not available