|   

من طرابلس إلى «لبنان الكبير»

Print A+ a-
الإثنين، ٠٢ كانون الأول ٢٠١٣ (١٧:٥٦ - بتوقيت غرينتش)
الإثنين، ٠٢ كانون الأول ٢٠١٣ (٢٠:٢٥ - بتوقيت غرينتش) حازم صاغيّة

يجتمع في مدينة طرابلس اللبنانيّة كونها موقعاً متقدّماً لانعكاس الأوضاع السوريّة على حال لبنان، وكونها موقعاً متقدّماً، وربّما سبّاقاً، في تصدّع العلاقات اللبنانيّة الأهليّة والطائفيّة، السنّيّة – العلويّة في هذه الحال.

وحين يلتقي هذان الشرطان المرعبان في مكان واحد تغدو مطالبة «الدولة» وأدواتها الأمنيّة بالتدخّل، والتشهير بها لأنّها لا تتدخّل، أقرب إلى كلام لا يعني شيئاً سوى الولاء لعادة تكراريّة يعرف أصحابها أنّها لن تفيد أحداً.

فإذا صحّت المعادلة القائلة إنّ «الدولة» في لبنان محطّة تقاطع بين الطوائف الكثيرة، وإنّها لا تكون قويّة إلا بالمقدار الذي يعرض فيه هذا التقاطع، جاز لنا أن نتوقّع هزال هذه الدولة وعجزها في ظلّ انعدام كلّ تقاطع بين تلك الطوائف.

والحال أنّ الأخيرة تستعرض اليوم أسوأ ما ملكته أيمانها. فبين أبناء الأقلّيّة العلويّة من بلغت بهم الأمور حدّ الانخراط في نشاط إرهابيّ صريح، يدلّ عليه ما حلّ في مسجدي «التقوى» و «السلام». وهذا، بطبيعة الحال، من الأيدي البيضاء لدمشق علينا، أهدافه لا تتّصل إلا بدعم بشّار الأسد ونظامه القاتل. وبين أبناء الأكثريّة السنّيّة من لا يتردّدون في انتهاج التطهير الطائفيّ للمدنيّين العلويّين وتفعيل أردأ ما في ثقافتنا وتاريخنا ممّا يتعلّق بالجور الأكثريّ حيال الأقلّيّات.

وقد يكون المرتكبون، هنا وهناك، أفراداً وشللاً صغرى. بيد أنّ بيئاتهم الأعرض لا تقول، إلا لماماً وسطحيّاً، ما يفيد الاعتراض على أفعالهم. هكذا، لا نسمع في البيئتين إلا التضامن المعلن أو الصمت الذي يشي بالتضامن. والشيء نفسه، مع استثناء أصوات فرديّة قليلة، ينطبق على البيئة الشيعيّة الحاضنة لـ «حزب الله» في ما خصّ تورّطه العسكريّ المتعاظم في سوريّة.

وهي مأساة اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة تضرب جذورها في تاريخ معلوم، مأساةٌ تُطالَب الدولة، هذه الدولة، بأن تعالجها وتتغلّب عليها!

وأنكى من ذلك أنّ التنازع الذي تنمّ عنه طرابلس يضمره باقي لبنان، وأنّ ما تفعله تلك المدينة يقيم في نوايا باقي اللبنانيّين، فكأنّها هي المصغّر المتقدّم لبلد بأكمله. وواقع كهذا ينبغي أن يُخرجنا من عدّ جولات القتال في عاصمة الشمال، وهي مرشّحة لأن تتزايد في ظلّ احتدام العنف في سوريّة، إلى طرح التكوين السياسيّ الذي نعيشه وقابليّته للحياة التي باتت تقلّ كثيراً عن قابليّته للموت.

فالتجربة الراهنة والدموية في طرابلس، وهي ليست الأولى من نوعها في هذا الباب، تؤكّد بما لا يحوج إلى البلاغة والفصاحة أنّ صيغة «لبنان الكبير» انسحبت من واقعنا الراهن وشرعت تنضوي في التاريخ. ذاك أنّ طوائف طرابلس إذ تتقاتل بهذه الضراوة وهذا الإصرار، دفاعاً عن امتداداتها الطائفيّة خارج الحدود الوطنيّة، تكون تعلن أنّ الوطن الجامع، افتراضاً، غدا لزوم ما لا يلزم.

فعاصمة الشمال لبنانيّة جدّاً حين تكون اللبنانيّة تنازعاً أهليّاً مفتوحاً وتغليباً لكلّ الروابط الممكنة على الرابط الوطنيّ. أمّا متى قيست اللبنانيّة بقياس إيجابيّ، انتفت هذه الصفة عن معظم المناطق اللبنانيّة، وفي الصدارة منها طرابلس.

وهذا وضع يجيز لأبناء جبل لبنان، بالمعنى الأوسع الذي مثّلته متصرفيّة 1860، أن يفكّروا بمصيرهم السياسيّ والشخصيّ في آن. كما يجيز لأبناء «الملحقات» أن يتوقوا إلى ما يفصل بينهم ويمأسسه بما يوقف الدم الذي تستدعيه «أخوّتهم». إذ، في النهاية، هل ثمّة من يعشق الوحدات لذاتها، لا سيّما وقد غدت إطاراً يضمّ الإخوة الأعداء متيحاً لهم أن يقتل واحدهم الآخر؟

Tags not available