|   

الأهم من القوانين.. تطبيقها

Print A+ a-
السبت، ٢١ كانون الأول ٢٠١٣ (٢٣:١ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٢١ كانون الأول ٢٠١٣ (٢٣:٧ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

تتجه المملكة إلى التقنين داخل أروقة العديد من إداراتها بهدف ضبط العمل الإداري في شكل عام، وكان آخر ما صدر من هذه القوانين أنظمة القضاء الثلاثة وأقصد بذلك «أنظمة المرافعات الشرعية والإجراءات الجزائية والمرافعات أمام ديوان المظالم»، إضافة إلى قانون الإرهاب الذي تم إقراره في جلسة مجلس الوزراء قبل أسبوع. نتوقع قريباً صدور مدونة الأحوال الشخصية وقد طال انتظارها وأيضاً قانون الحد من التحرشات الجنسية، وقوانين أخرى تتصل بالتجارة والعقار والصناعة ونحو ذلك.

الحقيقة أن التقنين على أهميته في تسيير أمور الدولة والمجتمع بل وحتى العلاقات مع الشعوب والدول الأخرى، يعتبر أيضاً هو الأساس الأهم لبناء التنمية التي تعتمد على الإنسان. المجتمع الذي لا يخضع فيه الفرد إلى لوائح وعقوبات تحد من سلوكه الخاطئ وتمرده «الطبيعي» في معظم الأحيان هو مجتمع معوق إنتاجياً ولا يعتد به. من هنا تسابقت دول العالم وهيئاتها المختلفة إلى تدوين العديد من الأنظمة الخاصة بضبط الحياة والعلاقات الخارجية والتبادلات التجارية ووضعت عقوبات للجرائم بأنواعها كافة.

على أن وجود النظام لا يكفي لوحده من دون وجود الآليات القوية القادرة على تطبيق بنوده. ها هو نظام السير على سبيل المثال وفي السعودية تحديداً، ولأنه لا يوجد تطبيق للعقوبات التي يرتكبها السائق المخالف لأبسط قواعد السير أصبحت قيادة السيارة في المملكة تشكل عبئاً اقتصادياً على الدولة ورعباً وهاجساً مقلقاً لكل من يمتطي الطريق. أتحدث مع اللواء عبدالرحمن المقبل المدير العام للمرور في المملكة مراراً عن هذه الظاهرة وهو شخص ذكي ولامع ويدرك مكامن الخطأ. الذي نتفق حوله في العديد من الحوارات بيننا هو الحاجة إلى بناء رجل المرور أولاً، أقصد بذلك تدريب الطاقم ومراقبة إنتاجه ووضع الحوافز المناسبة له ليرتقي في عمله، أتمنى أن تتحقق هذه الأهداف تحت قيادة هذا الرجل.

وعلى ذكر الحوافز والمكافآت، ليسمح لي اللواء ولتسمحوا لي أن أبقى قليلاً في موضوع السير وأتساءل: ما المحفزات التي وضعناها أمام رجال الأمن والمرور الذين يجوبون شوارع مدننا؟ نظام ساهر الآلي يحصل على جزء من الغرامة المالية في مقابل الجهد الذي تم تنفيذه لبناء النظام وصيانته، بمعنى أن كاميرات المراقبة تحصل على «محفزات» وبواسطتها تستمر صيانتها، فإذا كنا نقر بوجود المحفزات للكاميرات وملاكها فكيف نبخل في وضع محفزات مماثلة للإنسان (رجل الأمن والمرور) المخلص الحريص على تنظيم السير. أنا أجزم بأنه لا توجد حالياً أية مكافأة في الراتب الشهري لأي رجل أمن أو مرور مميز عن زملائه، الدليل أننا نشاهد العديد من هؤلاء بيننا في كل الطرقات ونشاهد سوياً «نحن وهم» جميع أنواع التجاوزات لكن هؤلاء الأفراد لا يحركون ساكناً. هم يكتفون بإضاءة أنوار العربة الأمنية والسير مع السائقين بل ويمارسون أحياناً أخطاء السائق نفسها، مع هذا المشهد أصبح رجل المرور والأمن وببالغ الأسف كالأسد الذي يسير بين الماشية بلا هيبة إلى الحد الذي جعل الماشية تتمرد عليه.

المرور والدوريات ليست إلا مثالاً لخطورة وجود النظام مع عدم تطبيقه، هناك أنظمة يجب تطبيقها في الأسواق وأنظمة صممت للمحافظة على النظافة والصحة العامة. مع وجود كل ذلك لا نشاهد من يلتزم أو يشعر بالخوف من ارتكاب المخالفات. وجود القوانين مع عدم تطبيقها يعتبر ظاهرة بالغة الخطورة لأنها تمرن المواطن والمقيم على العصيان المقنن واعتبار الاستهتار بهذه الأنظمة أمراً طبيعياً وعادياً جداً، هذا يؤدي في النهاية إلى انعدام الهيبة وانعدام الهيبة يعبر عن وضع يائس وممل ومقلق. من سافر منا إلى الغرب يدرك معنى وجود دورية البوليس بجانبه في الطريق ولا أحتاج إلى ضرب الأمثلة.

من هنا فنحن في المملكة نحتاج اليوم إلى القيام بمهمتين رئيستين، الأولى توعوية لتثقيف الناس على الأنظمة الجديدة وبل وحتى القديمة، نحتاج إلى مؤسسات عالمية بخبرات كبيرة لنشر الوعي بطرق ذكية وغير مسبوقة، لا يكفي أن نضع إعلاناً هنا أو هناك مذيل بعبارة: «مع تحيات...». الوسائل التي نحتاجها بهدف نقل الوعي من الصفر إلى ما فوق الـ50 في المئة على الأقل تتطلب خبراء متخصصين في هذه الأعمال. علينا أيضاً توظيف مراكز خاصة لدراسة المجتمع وسلوكياته قبل الشروع في تطبيق العديد من الأنظمة. نعم قد يكلفنا ذلك الكثير من المال وبعض الوقت لكن العائد المتوقع نتيجة نجاحنا في التوعية يستحق هذه التكاليف، المهمة الثانية العمل على التطبيق بطريقة مهنية ممنهجة ومستمرة لا تعترف بما يسمى بـ«الحملات» ذات الصبغة الموقتة، وحتى يتحقق ذلك يجب علينا الاعتراف بضرورة الإعداد الجيد والمهني للأفراد المسؤولين عن مراقبة النظام. مرة أخرى سنضطر إلى إنفاق بعض المال لتحقيق ذلك، علينا البدء من النقطة التي توقف عندها من سبقونا بدلاً من أن نفكر بإعادة اختراع العجلة، أما أثناء التطبيق فيلزمنا في المراحل الأولى تحمل الكثير من الأذى والمقاومة كون الناس هنا جلبوا على التمرد لعقود عدة وأصبحت الفوضى هي الأصل واتباع النظام هو الشذوذ، علينا أن نتحمل حالات التوسل وضرب الأيمان بالله والكثير من التظاهر بالغباء ونصمد. الصمود والثبات هو أساس النجاح المرتقب الذي نتطلع إليه من خلال جهودنا في كتابة وإقرار هذه الأنظمة.

إن بناء دولة المؤسسات والقوانين هي خير ضمان لبقاء الدول وتنامي قوتها ومن هنا فإن وضوح الحقوق والمسؤوليات والواجبات أمام الجميع لم يعد أمراً يقصد به التجميل والترف كما قد يتصور البعض بل ضرورة ملحة وأركاناً ثابتة للاستقرار. أنا هنا أتحدث عن النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فسياسياً وإضافة إلى ارتباط التقنين بالقوة والاستقرار كما أشرت، لن يجد الأعداء ما يغذي أجنداتهم للنيل منا والتندر بمجتمعنا بسبب وجود مثل هذه الثغرات وخصوصاً ما يتعلق منها بأنظمة الأحوال الشخصية والمبالغة في التشدد والتشجيع على الإرهاب والتحرشات الجنسية ونحو ذلك. النظام سيغلق على هؤلاء كل الأبواب وسيدفعهم إلى البحث عن الأكاذيب والتلفيق. اقتصادياً جميعنا يدرك أن طمأنة رؤوس الأموال وتشجيعها على ضح الاستثمارات في بلادنا وخلق الوظائف اللائقة لأبنائنا وبناتنا، وما أحوجنا إلى ذلك، يحتاجان إلى تأسيس لمثل هذه البيئة الخاضع أفرادها إلى النظام. لا يمكن للتنمية الشاملة بما فيها تنمية بناء الفرد وتطوير مهاراته أن تتحقق في بيئة تعم فيها الفوضى وتتقاذف الجهات الرسمية وغير الرسمية بالمستثمر بل وحتى بالموظف الذي يعمل لديه يميناً وشمالاً. اجتماعياً وتحديداً تقنين حقوق المرأة والأقليات بجميع الطوائف وحمايتهم والدفاع عنهم والحد من المضايقات والتصنيف عبر تطبيق الأنظمة بما يليق بها من الجودة والإصرار والصمود سيغير من سلوكياتنا وسيدفع الفرد السعودي إلى إعادة ترتيب أولوياته بل وقيمه. مسائل حقوق المطلقات والنفقة وقيادة المرأة السيارة وعمل المرأة في التجارة سيخلق البيئة المتمتعة بأعلى مستويات السلم الاجتماعي وسيندفع الجميع إلى التنافس والإبداع في بناء الوطن بلا تردد أو وجل أو غموض.

أعيدها مرة أخرى، بيئة ومجتمع مع قوانين لا يتم تطبيقها يعتبر في نظري وفي نظر أي متخصص في علم الاقتصاد أو الاجتماع أخطر من وجود بيئة ومجتمع لا تعترف أصلاً بالأنظمة. الأخيرة تسير بعفويتها وعلى البركة بينما الأولى تمارس العصيان والتمرد تحت نظر الجميع.

 

 

* كاتب سعودي.

fdeghaither@gmail.com

F_Deghaither@

Tags not available