|   

من أدوات بناء «الطالب» السعودي

Print A+ a-
السبت، ٢٨ كانون الأول ٢٠١٣ (٢٠:٣٨ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٢٨ كانون الأول ٢٠١٣ (٢٠:٤٤ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

إضافة إلى كل ما تفضل به الزملاء الكُتاب وبعض التربويين من ملاحظات واقتراحات للأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم، بدءاً من الحديث عن تخلف المناهج واختراقها الفاضح، وانتهاء بالمعلمين والمباني المدرسية، وإضافة إلى ما يحمله من رؤى وتصورات، هناك أيضاً حاجة إلى الحديث عن بناء الطالب المنافس المتقد بالعطاء. من عوامل هذا البناء الشاق تهيئة البيئة المناسبة للمنافسة والإبداع. لن أتحدث عن بيئة التنافس في التحصيل العلمي فربما هي موجودة وإن كانت بمستوى خجول. الذي أريد أن أتناوله بنوع من التفصيل هو علاقة الرياضة والتنافس في مختلف الألعاب على مستوى المدارس ومن ثم الجامعات. الرياضة وكما سبق وأشرت إليه في عدد من المقالات، لم تعد مجرد ترفيه في بيئة هي محل الشك والريبة لدى الكثير من أولياء الأمور، وقد يكونون محقين في ذلك في الماضي، بل تحولت أخيراً إلى صناعة متكاملة الأركان، وننتظر أن تتحول في المملكة إلى ركن مهم من أركان التنمية الاقتصادية، وأن تسهم إسهاماً فعالاً في تعدد مصادر الدخل، وفتح فرص العمل للآلاف من أبنائنا وبناتنا. ليس هناك أفضل من تجربة الولايات المتحدة الأميركية في هذا المجال. تخيلوا معي لو تدهورت الرياضة هناك وهبطت في بريقها ووهجها، كم سيكون حجم الضرر على الأنشطة التجارية الداخلية؟ وكم سيقفز عدد العاطلين من العمل؟ وكم ستهبط مستويات الإنفاق التي سيتأثر بها الاقتصاد الأميركي «الضريبي» العملاق. الرياضة هناك أصبحت ومع الاحتراف المنظّم مصدر رزق للملايين ممن يعملون بها مباشرة أو لمن هم حولها في قطاعات النقل والضيافة والإعلام والمحاماة والتجزئة، والمئات من المهن الأخرى المتصلة بطرق غير مباشرة بتلك المناسبات الضخمة.

قصة نجاح هذه الصناعة لم تأت بطريقة عشوائية، ورموزها لم يؤسسوا مهاراتهم في الحارات والحواري وإن وجد حالات نادرة جداً ممن فعلوا ذلك. في تلك المناطق من العالم تبدأ ممارسة المسابقات الرياضية من المرحلة الابتدائية في ألعاب عدة أهمها رياضة البيسبول وكرة القدم والسلة. في المرحلة الإعدادية والثانوية تضاف إليها رياضة الهوكي والتنس والغولف والبولينغ والطائرة والسباحة وغيرها. لا أنسى أبداً مناسبات كان يذهب لها الآباء والأمهات أيام السبت لمشاهدة أطفالهم وهم يتنافسون في حدائق المدينة المجهزة لإقامة المنافسات برعاية وتنظيم القائمين على هذا الدوري. والدوري الخاص بكل مدرسة ليس بهذا الحجم الضخم كما نتصور، فقد يتكون من 7 مدارس ابتدائية فقط في ناحية من مدينة. لكنها بطولات أو «عناقيد» منظمة وتحمل كل واحدة مسمى خاص بها، وتخضع لشروط اللعبة في شكل عام، وقد يبرز من تلك المسابقة الصغيرة فريق مدرسي يتقدم لمراحل أخرى داخل المدينة وربما على مستوى الولاية. ذهبت إلى عدد من هذه المسابقات عندما أقمت لفترة مع عائلة أميركية في ولاية أوريغون فأبهرتني النواحي التنظيمية، ولكن قبل ذلك الروح العالية لدى هؤلاء الأطفال ومدى اعتزازهم بأنفسهم منذ سن باكرة. كيف لا وأهلهم والجيران يتفرجون عليهم ويصفقون لهم ويقدمون لهم الميداليات. إنها البذرة الأولى لبناء الثقة بالنفس.

هذه المسابقات وخصوصاً على مستوى الثانوية العامة تؤهل عدداً محدداً من المدارس في كل ولاية إلى التنافس مع بعض الولايات المجاورة في بطولة إقليمية، وقد يستمر التنافس إلى بطولات على مستوى الولايات بل وعلى مستوى البلاد في بعض الألعاب. كل ما أشرت إليه حتى الآن ينطبق على المراحل التعليمية حتى الثانوية العامة. أما ما بعد ذلك فتوجد بطولات كبيرة ومهمة للجامعات على مستوى أميركا وأحياناً أميركا وكندا وتسمى (NCAA). وبالنظر إلى عدد الجامعات هناك، فإن هذه البطولات تحمل نكهة خاصة ومذاقاً مختلفاً. المسابقات الخاصة بالجامعات تستقطب آلاف الطلبة والطالبات إلى متابعتها من مقاعد المدرجات الضخمة التابعة لكل جامعة. هناك تاريخ مؤصل لمنجزات كل جامعة تزدان به المباني والأروقة الجامعية، بل إن الحصول على البطولات يرفع قيمة التبرعات التي تدعم أوقاف الكثير من الجامعات. ما نشاهده في دوري المحترفين هناك من ألعاب السلة والقدم الأميركية وغيرها مما يذيع صيته ويتابعه الملايين من خارج الولايات المتحدة ما هو إلا نتيجة لما حدث في المراحل التعليمية حتى الثانوية، وما تلاه من أنشطة قوية ومنضبطة على مستوى الجامعات. هنا أود الإشارة إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن التحصيل العلمي للاعب يأتي أولاً. فمثلاً لا يجوز انتقال اللاعب من دوري الجامعات إلى المحترفين من دون أن يحصل على درجة التخرج من الجامعة التي يمثلها في فريق الرياضة. بمعنى أن وجود هذا التنظيم الهائل مع كل ما ينفق عليه من مال وجهد لا يسبق في أهميته التعليم الأكاديمي. من يفشل في الحصول على الشهادة لن يتسابق للتوقيع معه في عقد احترافي أي فريق محترف.

قَصرت الموضوع هنا على تناول الرياضة تحديداً، على أنه توجد منافسات «لا صفية» في الفن والمسرح والدراما، وتدار أيضاً بطريقة مهنية متقنة وتدعم مسيرة بناء الفرد هناك من مراحل باكرة، غير أنها لا تلقى الزخم الجماهيري نفسه الذي تلقاه الرياضة.

عندما أقارن ما يحدث هناك مع اهتمامنا المحدود بالرياضة بين المدارس السعودية فالمرء لا يستغرب من التسرب وضعف وانعدام الحماسة في مراحل التعليم بالمملكة، ذلك أن ضعف مثل هذه الفعاليات يفقد الطالب حسّ الانتماء للمدرسة، وتتحول العملية التعليمية إلى مجرد واجب لا بد من تأديته من دون إبداع أو تفاني. لقد أسسنا - بإهمالنا وسوء تخطيطنا وعدم إدراكنا أهمية تطوير هذه المنافسات والارتقاء بها بين أبناء المدرسة أنفسهم، والمنافسة مع المدارس الأخرى سواء في الرياضة أو في غيرها من الأنشطة - الكثير من الفجوات، لهذا استغل البعض وجود هذا الفراغ في زمن الصحوة ونجحوا - مع الأسف - في استغلاله في معسكرات ورحلات مشبوهة لم تعد تخفى علينا نتائجها المدمرة. ها هي بلادنا أصبحت في طليعة الدول المصدرة لـ«المجاهدين» الشباب الذين أصبحوا أدوات تتقاذفها آلات الشر في كل مكان من دون وعي أو إدراك لديهم بما يحدث.

أعيد - كما أشرت في منتصف المقالة - أن غياب مثل هذه الأنشطة ذات الصبغة الترفيهية في مراحلها الأولى يتسبب أيضاً في غياب الأهل عن الأبناء، وتدني ساعات التواصل معهم. التواصل لدينا مع المدرسة أصبح يقتصر على مجالس الآباء والأمهات التي تحولت إلى عملية روتينية مملة. فهل نسعى اليوم إلى البدء بملء أوقات أبنائنا وبناتنا ممن يقضون الساعات الطوال في المدارس، في التنافس في الرياضة والتحصيل العلمي والفن والابتكار، مستخدمين برامج متطورة ومحفزات معتبرة، ومستغلين الوسائل الإعلامية لمتابعة ونشر كل ما يدور في هذه المباني وملاعبها ومسارحها؟ ومن خلال الدعوات لهذه المناسبات، هل نعيد الأسرة إلى زيارة المدرسة ومقابلة المعلمين في أمسيات كهذه تتخللها وجبات خفيفة ونقاشات هادفة؟ أم نستمر في التشتت وعدم المتابعة وانشغال معظمنا بلعب الورق والتسكع في الاستراحات، وممارسة التفحيط وشرب القهوة والشيشة على أرصفة الطرق؟

 

 

* كاتب سعودي.

fdeghaither@gmail.com

F_Deghaither@

Tags not available