|   

أوقفوا فوضى التحريض على «الجهاد»

Print A+ a-
السبت، ٢٥ كانون الثاني ٢٠١٤ (٢١:٤ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٢٥ كانون الثاني ٢٠١٤ (٢١:١١ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

هالني ما سمعته من ضيوف برنامج حواري، يقدمه أسبوعياً الإعلامي عبدالعزيز القاسم في قناة «دليل»، والضيفان هما من شيوخ ما يعرف بالصحوة التي عصفت بالمملكة لعقود عدة.

كان ضيوف برنامج القاسم يستمعون لمداخلة من متصل يدعى محمد الصنيتان، وكان يحذر من تحريض بعض الدعاة لشبان المملكة على الذهاب إلى سورية، لغرض «الجهاد». ينادي ويناشد هذا المتصل ضيفي البرنامج بعدم الترويج لهذه الفوضى، ويوضح أن ما يلاقيه الشبان هناك ليس أكثر من الوقوع في الفتن والموت.

قاطعه أحدهم قائلاً في سياق حديثه عن وجوب التحريض: «وماذا لو مات خمسة أو ستة شبان من السعوديين؟». ويواصل: «الدعوة إلى الجهاد قال بها العلماء، ومنهم العرعور، إذا كان قدرنا أن نموت فلنمت». من الذي سيموت يا شيخ، أنت أم أبناؤك أم أقاربك أم أبناء الشيخ السوري الذي تستشهد بكلامه أم تراهم من أولئك الشبان السعوديين الغر الذين قلت عنهم: «إنها لن تبرأ ذممهم إذا لم يجاهدوا في الميادين»، كلام قوي، ومحرك للوجدان. لن تبرأ ذممهم؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.

الذي لا يدركه أمثال من ينادون برحيل الأبناء إلى تلك الأماكن الموبوءة كما الحال في سورية، هو أن ما يعرف بـ«الجهاد» اليوم هو في الحقيقة يقع ضمن مفهوم «إعلان الحرب»، قياساً بالظروف العالمية التي نعيشها وتعدد الكيانات وقواتها العسكرية وتوقيع المعاهدات بين الدول.

والذي نعرفه أن إعلان الحرب إنما يصدر من الحكومات بعد أخذ الحيطة والاستعداد، وليس لمجرد دعوة يلقيها خطيب أو متحمس من منبر، لو أن الأمور تسير بهذا الشكل لعمت الفوضى بين الناس، وتعددت المصائب واتسعت دوائر الفتن، وما يؤكد غموض موضوع «الجهاد» وتبسيطه من البعض ما علّق به أحد المغردين عليّ في «تويتر»، مبرراً نفي التهمة عن المحرضين، بمعنى أن التحريض من وجهة نظره «واجب».

يقول في تبريره: «قال رسولنا الكريم المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، هنا يتضح الغياب الكامل للبوصلة، فهل المقصود من هذا الحديث أن يقف شبان المملكة في طوابير الانتظار للرحيل إلى أية بقعة في هذه الكرة الأرضية لمجرد وجود حمى أو مرض أو ثورة يقوم بها شعب مسلم؟

من ناحية أخرى، تخيلوا لو أن قسيساً في تكساس، ولدى البعض من أهل هذه الولاية نزعة الانفصال عن بقية الولايات المتحدة الأميركية، نادى أهل ولايته إلى الجهاد في نيويورك أو واشنطن، لأنه يرى أن ولاية تكساس يجب أن تنفصل ولو بالقوة، ليس ذلك فحسب بل بدأ هؤلاء المتطوعون بارتداء الأحزمة الناسفة وتفجير المصالح والدوائر المهمة وقتل الأبرياء والمارة في تلك المدينتين، للضغط على مراكز صناعة القرار من جهة وللفوز بالجنة والحور العين. قد يوجد مع هذا القس بعض المؤيدين والمنتفعين لكنهم حتماً لا يمثلون الغالبية التي قد ترى هذه الأعمال الانتحارية تضر ولاية تكساس أكثر مما تنفعها.

الأخطر أن هؤلاء «المجاهدين» قد يعودون إلى تكساس نفسها بعد فشل المشروع ليحاربوا بني جلدتهم الذين لم يقفوا معهم أو خونوهم ونددوا بعملياتهم.

إن مشهداً كهذا نعرفه جيداً في المملكة، وواجهناه بصلابة، وفقدنا العديد من رجال الأمن في سبيل ذلك، إذاً نحن نتحدث عن أعمال لا يشبهها إلا عمل العصابات المتخفية التي لا تعمل إلا في الظلام. أليس هذا هو حال المنظمات التي تنفذ العمليات الانتحارية في كل مكان، إذاً كيف يؤيد عالم شرعي سعودي وداعية معروف الانضمام إلى عصابات؟

المشكلة الأخرى والأهم أن هذا الفعل الإجرامي ما زال يسمى عند المحرضين بـ«الجهاد في سبيل الله» حتى مع إدراكنا اليوم أنه عمل لا يأخذ إلا طابع الإجرام والتنكيل والتحزب والطاعة المطلقة لأفراد لم يكن لهم يوماً أي شأن، ولم يبايعهم أحد على الولاية، والأغرب أن من يتم «ابتعاثه» إلى هناك لا ينضم إلى إمرة الجيش السوري الحر، وهو الطرف المسؤول أصلاً عن الثورة ضد النظام، وليس هؤلاء الأجانب الغرباء.

ولا أدل على تجريم العالم لهم أكثر مما حدث في البوسنة، فبعد انتهاء القتال وحسم المعركة لمصلحة البوسنة بادرت الحكومة هناك بطردهم من البلاد وملاحقة من حاول الاختفاء على رغم إسهامهم في قتال الصرب.

أقول مثل هذه الدعوات لا يجب أن تمر من دون مساءلة وتحقيق لمن ينادي بها لمعرفة الدوافع الحقيقية. في مثل هذه الفوضى العارمة علينا أن نفعِّل القوانين والأنظمة التي صدرت أخيراً لمكافحة الإرهاب وإلا ما الفائدة منها؟ علينا مواجهة الواقع بمرارته، وتحمل تبعات ما نضطر إلى فعله قبل أن يستفحل، ويصبح خارجاً عن السيطرة.

كلنا يعلم بأن المملكة عانت كثيراً ممن ذهبوا إلى أماكن الاضطراب في العالم الإسلامي، وعادوا بنفسيات مضروبة وأهداف عدة، بعضهم كما ذكرت اتجه إلى محاربتنا في المملكة، وسعى إلى زعزعة الأمن هنا، لأنه ببساطة فقد التوازن والانضباط، وتشابكت لديه الأولويات.

أكتب هذه المقالة والشعب السعودي للتو شاهد تلك الحلقة التلفزيونية المثيرة من برنامج «الثامنة» الذي يقدمه الإعلامي المعروف داود الشريان عبر محطة MBC. كانت الحلقة مخصصة لمعاناة بعض العائلات التي عانت المآسي والحزن الذي وجدوا أنفسهم فيه بعد غياب فلذات أكبادهم إلى سورية.

لقد كانت الأم «أم محمد» تتحدث وتبكي وكذا الآباء، ونحن معهم لم نتمالك أنفسنا، هؤلاء هم شباننا الذين تحدث عنهم ذلك المتصل في قناة «دليل»، وهم أنفسهم من قال عنهم الشيخ الضيف: «فليموتوا»، وكأنه يتحدث عن «حشرات».

وإضافة إلى تفعيل القوانين ومواجهة الأزمة، أقول إن على وعّاظنا ومتحدثينا وكتابنا توضيح حقيقة أن السفر للقتال بداعي «الجهاد» وفي هذا الزمن تحديداً، إنما يمثل ذروة الأذى للنفس والأسرة والكيان، اليوم وفي بلادنا توجد وزارة للدفاع ووزارة للحرس الوطني ووزارة للداخلية معنية بأمن الوطن والمحافظة على مكتسباته.

وهي مؤسسات كبيرة وجميعها مدججة بالأسلحة الأرضية والجوية، وتتلقى أعلى مستويات التدريب، ويوجد في هرم هذه المؤسسات وزراء وضباط ووسائل سيطرة وتحكم ووسائل دفاعية وهجومية، ويعود أمر كل هؤلاء إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة السعودية، وهو والدنا وحبيبنا خادم الحرمين الشريفين حفظه الله.

من أراد الجهاد عسكرياً فلينخرط في هذه المؤسسات العسكرية، ويتلقى التدريب اللازم ثم ينتظر إعلان الملك للدخول في المواجهة العسكرية عندما تدعو لذلك الظروف.

غير هذا فإن كل ما يحدث هناك فضلاً عن استغلاله بواسطة أجندات مشبوهة وتحزبات لا علاقة للوطن بها، ليست إلا فتناً وشروراً وأعمالاً غير مسؤولة ينفذها في الغالب أفراد لا يملكون أدنى وسائل الحماية والدفاع عن النفس، ويستطيع العدو إبادتهم في لحظة بطائرة بلا طيار كما نسمع كل يوم.

هل هذا هو الجهاد الذي أمر الله سبحانه وتعالى به في زمن الفتوحات الإسلامية؟ أترك لكم وللأخوة المحرضين الإجابة.

 

 

* كاتب سعودي.

fdeghaither@gmail.com

Tags not available