|   

هذه «الصحوة» ضد التنمية الاقتصادية

Print A+ a-
السبت، ٠١ شباط ٢٠١٤ (٢٢:٤٨ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٠١ شباط ٢٠١٤ (٢٣:٢ - بتوقيت غرينتش) فهد الدغيثر

المقصود بالصحوة الممارسات التي يمارسها بعض رموز هذه الظاهرة ومريدوهم من المتطوعين التي طرأت على بلادنا منذ مطلع الثمانينات.

يغضب عليّ البعض عندما أتناول موضوع التنمية الاقتصادية وعلاقة هذه التنمية سلباً بالآيديولوجيا وعسكرة المجتمع وتحريض أبنائه وبناته ودفعهم إلى التطرف، سواء كان تطرفاً دينياً أم عرقياً أم قبلياً.

دائماً أردد أن تبني الآيديولوجيات في المجتمع، أي مجتمع، يعيق تنفيذ الخطط التنموية من وجوه عدة، ولذا يمكن وبيقين كبير القول أن التنمية والتشدد أي «التعصب للفكرة» في أي مجتمع هما ضدان لا يلتقيان.

التاجر ومعظم العاملين في التجارة لا علاقة لهم بالتطرف على الإطلاق، لكنه عندما يعمل في البيئة التي يغلب فيها التشدد والانغلاق سيضع في حساباته اعتبارات عدة لا ضرورة لها من حيث الربح والخسارة، يضطر إلى فعل ذلك تفادياً لوقوع حالات من التصادم بين نشاطه وسلطة المتطرف، وبعض المتطرفين يحمل صفة رسمية رقابية من الدولة مع الأسف.

أذكر أنه كان هناك مطور ينوي بناء محفظة استثمارية كبرى لتشييد مدينة متكاملة للترفيه قرب الرياض على غرار «ديزني لاند» أو ما شابهها وعلى أرقى المستويات، ويوظف بها آلاف العاملين، ويستفيد منها عشرات القطاعات الأخرى كالنقل والضيافة والتسوق، بل وتجلب للرياض عشرات الآلاف من الزوار، أقول هذا المطور تردد ثم ألغى الفكرة تماماً عندما شاهد ما حل بأنشطة الحكير والمعجل المماثلة ولو بحجم أقل والواقعة على الدائري الشرقي في الرياض.

عند افتتاح مركز الحكير وتوافد الزوار بكل حماسة وتطلع إلى هذا المركز، بادر المحتسبون المندفعون إلى التدخل وقفل الأبواب بحجة الزحام.

في اليوم الذي يليه فرقوا بين الرجال والنساء، ثم طلبوا تقنين الدخول، بحيث يكون يوماً للرجال وآخر للنساء. شعر الزوار بالملل، وبدؤوا بالعزوف عن الزيارة برمتها. اليوم نشاهد هذه المراكز بلا أي إبداع أو تطوير، فتم وأد الجدوى الاقتصادية في يوم ولادتها.

في إحدى مناسبات إقامة المعرض الدولي للغذاء في الرياض في نهاية الثمانينات الماضية، كنت ممن حضروا إلى الزيارة في اليوم الأول، أثناء تجوالي شاهدت مجموعة من المحتسبين وبعضهم من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شاهدوا من بين العارضين من دول أوروبا نساء يعملن لدى بعض الشركات العارضة، فجأة أمروا المنظمين بإخراجهن بحيث يمكنهن العودة عندما يكون المعرض متاحاً لزيارة النساء في يوم مخصص، هؤلاء النسوة موظفات بيع وتسويق، ولسن موجدات للبهرجة.

عندما بدأت دبي في تنظيم المعارض الكبيرة في مطلع التسعينات، اتجه الكثير من صناع الغذاء في العالم إلى المعرض.

يسألني أحد المدافعين عن الصحوة ليلة البارحة في «تويتر» عن سبب عدم تطور مطار الملك فهد في الدمام، وهل لذلك علاقة بالصحوة؟ هو ينوي إحراجي كما فعل غيره من طريق طرح أسئلة كهذه، يعتقد أن الصحوة وممارساتها منها براء، قلت له لو أن مدينة الخبر تحولت إلى مركز عالمي للمعارض الدولية، ومنها معارض اليخوت والطيران والسيارات والأثاث والتكنولوجيا والمناسبات الرياضية الكبرى، بحيث يتم إشغال روزنامة العام بأكمله في تنظيم رائع ودقيق، كما يحدث في العديد من مدن العالم، لأصبح مطار الملك فهد في أحسن حالاته. ليس المطار وحده بل ولتعددت فنادق الخمس نجوم، وانتشرت المطاعم الراقية، وتحسنت الكثير من وسائل النقل داخل المدينة، وارتقت شركات الطيران، وانتشر التنافس الخلاق على تقديم الجودة الراقية، طمعاً في الحصول على إنفاق هذه الآلاف المؤلفة من الزوار المقتدرين على الصرف، ما الذي يمنع الخبر من أخذ هذا الدور؟ تشددكم وخوفكم من فزاعة الاختلاط؟

التنمية الاقتصادية المأمولة ليست وحدها إقامة مصانع كما يردد البعض، بل منظومة متكاملة من الصناعة والخدمات.

آلة التنافس تشتعل بين مقدمي الخدمة وفي كل وقت يحدث ذلك، يزداد الإنفاق وتولد الوظائف الجديدة، في فرنسا ومعظم دول العالم المتقدم بما فيها اليابان، الصناعة لا تحتضن إلا ٢٣ في المئة من القوى العاملة، الواقع أن قطاع الخدمات في كل دول العالم هو المغذي الرئيس للوعاء الوظيفي، ولن تجد دولة تقل بها هذه النسبة عن ٦٥ في المئة مهما ارتفع كعبها في الصناعة والزراعة. المملكة ليست خارج هذه المعادلة، بل إننا نضطر إلى تفعيل الخدمات في شكل أكبر، نظراً لغياب الزراعة عن مقومات اقتصادنا.

وكما أشرت في الأمثلة السابقة، فالخدمات بشتى فروعها وببالغ الأسف، هي الأكثر عرضة للاحتكاك بالمحتسبين، كونها ملاصقة للجماهير، وليست أجهزة آلية تعمل لوحدها.

هذا الاحتكاك الذي لم يتوقف وإن قل بدرجة ملحوظة أخيراً هو سبب خوف المستثمرين من ضخ الأموال الكبيرة في بلادنا، وهو بالتالي سبب تدني مستويات الخدمة في شكل مرعب، وخصوصاً في القطاعات التي أشرت إليها.

لو تمعنا أكثر، سنلاحظ أن الصحوة طال أثرها، ووصل إلى معظم النشاطات باستثناء النفط ومشتقاته، فلامست إضافة إلى السياحة والترفيه والضيافة بطرق عدة القطاع الصحي والتعليمي، وتأثر بها التصميم العمراني للمنازل والأحياء، وألقت بالكثير من الظلال على التسوق والنقل وغيرها.

ومما يزيدني إصراراً على مواقفي، المطالبة بعزل التطرف عن العمل التجاري التنموي هو أننا في المملكة بأمس الحاجة إلى الوظائف الجديدة، وغني عن القول أن قدرة الاقتصاد على التوظيف تتناسب طردياً مع الجودة. فكلما تدنت الجودة تدنت الحاجة إلى الموظف الجديد بالرواتب المعتبرة، وكلما ارتفعت الجودة ارتفعت الحاجة إلى الموظف المدرب الذي سيدفع إليه رب العمل راتباً مجزياً، وهذا ما يحتاجه طالب الوظيفة السعودي.

عندما أقول إن الصحوة وهذه الأجواء المشحونة بالتشدد والانغلاق تقفان ضد التنمية، فإن هذا هو تحديداً ما قصدته، وأتمنى أن تكون الصورة وضحت.

أناشد الدولة بتقويم البيئة الاستثمارية في المملكة ومدى صلاحيتها للنمو، بواسطة متخصصين في هذا المجال الحيوي والاستراتيجي المهم.

التنمية عملية ديناميكية، تعتمد على استشراف المستقبل والتخطيط له والتنفيذ في ما بعد، وتفوقها يعتمد على القدرة التنافسية والمحافظة على الجودة، حديثي هنا بالطبع يركز على دور القطاع الخاص، وهو المحرك والقائد للتنمية في المجتمعات المتقدمة، دور الإنفاق الحكومي يتركز على توفير البنى التحتية، وبعض الخدمات الأخرى المتصلة بالصحة والبيئة ونحو ذلك.

وهنا أيضاً نجد سوء إدراك لدى بعض الأخوة من الصحويين، إذ عند الحديث عن لومهم في تعطيل التنمية يتقافزون نحو لوم الحكومة، وهذه مادة شهية بالطبع في كل نقاش يقع معهم، أقول ذلك مدركاً أن صمت الحكومة عن هؤلاء في الماضي كان خطأً كبيراً، وهو ما تلام الدولة عليه في واقع الأمر.

الغريب أن العديد ممن يُفشلون بعض هذه المشاريع والأفكار الكبيرة، بحجة المحافظة على المجتمع والفضيلة لا يتوقفون تطبيلاً وتصفيقاً وغزلاً، لما يفعله أردوغان ومهاتير وغيرهم في بلادهم، ليتهم يتقبلون مني هذا السؤال البسيط المباشر: ما الذي سيحل يا ترى باقتصاديات تركيا وماليزيا وسنغافورة التي لا تتوقفون عن مدحها لو قررت تلك الدول الاستجابة لمطالبكم وتطبيق كل التوصيات التي «تتكرمون» بها علينا في المملكة من باب «المحبة» و«الغيرة» كما تدعون؟ أعتقد أنكم اليوم تملكون الإجابة عن هذا السؤال بكل اقتدار.

 

 

fdeghaither@gmail.com

Tags not available