|   

النسخة: الورقية - سعودي

< قبل نحو 34 عاماً كنت برفقة أخي محمد في حديقة الهايد بارك الشهيرة في لندن نشاهد الكثير من المناظرات الملتهبة بين خطباء يعتلون منابر الحديقة وبين الجماهير الذين يناقشونهم تأييداً أو معارضة. وعندما تتأمل تلك المعارك اللغوية الثقافية المعلوماتية تأسرك تلك الديموقراطية التي يصل فيها المتخاصمون إلى كل شيء إلا التشاحن الجسدي، فهناك من يشتكي من الرأسمالية، وآخر يهاجم الشيوعية، وثالث كان يهودياًَ عربياًَ جنسيته من المحتلين يتشاجر مع فلسطيني عربي، ولا يقتصر الأمر على خلافات سياسية، فهناك من كان يشتكي من زوجته ويتهمها باضطهاده ويندب أكثر من 20 عاماً عاشاها معاً ومازالا.

في ذلك العصر لم يكن تأثير الحركات الدينية قد وصل إلى أوروبا وأميركا، على رغم أن حركة جهيمان والجهاد الأفغاني والثورة الخمينية قد بدأت قبل سنوات قليلة حينها، غير أن إحدى المناظرات الطريفة كانت تعكس نوعاً من الصراع الأيديولوجي غير الديني، فقد كان هناك رجل أسود يتحدث عن الشيوعية بإعجاب ويتغنى بها، فيما كان الجمهور يردون عليه بقوة، غير أنه كان مفوّهاً ساخراً لاذعاً، قاطعته امرأة، قالت له إنهم في طرقات موسكو لا يبتسمون، فرد عليها مباشرة بالتهكم وشكك في معلوماتها، ملاحظة المرأة بغض النظر عن صدقيتها من عدمه فإنها تعبر عن هاجس تاريخي يطغى على العالم كله، ففي كل زاوية فيه يبحث المرء عن السعادة وكيفية الوصول إليها لتقودنا في النهاية إلى أن الأيديولوجيات «المقتمة» تثبت فشلها جيلاً بعد جيل. في المملكة عانينا كثيراً من تسلط المجموعات الإسلامية المتشددة، سواء من ناحية مفاهيمهم الخاطئة عن الإسلام، أم محاولة التدخل السافر في حياة الإنسان الشخصية، أم فرض آرائهم بالمختلف عليه بالقوة، أم محاولة طمس كل ما يؤدي إلى الفرح، وكأن الكآبة والحزن شرط من شروط المسلم الجيد. طبعاً تعليق المرأة البسيط يعبر عن قلق من الشيوعية التي ارتبطت بأذهانهم بمفاهيم الحصار وتقييد الحريات والالتزام بالرأي الواحد، وإذا كانت الشيوعية (بعيداً عن السياسة) بهذا الوجه الموحش، فما بالك بما يطالب به الإسلاميون؟

قبل فترة استمعت لرئيس حزب «تونس الزيتونة» في تونس عادل العلمي وهو يتحدث في مونت كارلو عن الإسلام ويهدد ويتوعد، وعندما سألته المذيعة بأية صفة تتحدث؟ قال نحن مخولون من الله، فنحن العلماء ورثة الأنبياء. الشخص نفسه كان يقوم بحملات في رمضان للتصدي لمن يفطرون في رمضان، وبعيداً عن الخطأ والصواب فليس من حقه التدخل في أمر يخص السلطات وحدها.

ما حدث في مصر بإسقاط الرئيس محمد مرسي ليس سياسياً فقط، بل تذمراً كبيراً وخوفاً أكبر من انتزاع الحريات الاجتماعية.

وما يحدث في تركيا من نظرة لأردوغان من مناوئيه يرتبط جداً بآرائه وسلوكه الشخصي وما يقال عن ارتباط ما مع «الدواعش» الذين يتسللون عبر تركيا إلى العالم، سواء في سورية أم أوروبا. نعم، لنكن صريحين جداً ونعلنها قطيعة تامة مع أية أيديولوجية تمنع الفرح وتقتل السعادة وتسرق البهجة، والمرأة لدينا لها نصيب الأسد من هذا التعنت والحرمان وكثير من فتياتنا تضع يدها على فمها عند الضحك، بحيث تم إقناعهن بأن الضحك معيب للفتاة. على أية حال الأجيال الشابة الحالية لا تنتظر منا موافقة أو رفضاً فهم ينتزعون حقوقهم بأنفسهم، ومصادر تعليمهم وثقافتهم لم تعد مقصورة على توجيهات الوالدين فقط بل تدخلت وسائل التواصل الجديدة بقوة.

الكل يعرف أن كثيراً من المتجهمين والمعارضين للغرب ثقافياً واجتماعياً (أكرر بعيداً عن الخلاف السياسي) كانوا ومازالوا يرسلون أبناءهم وبناتهم ليتعلموا في جامعات الغرب، فالأمر خرج من أيديهم ولا يستطيع التحكم بالأمر أو قمع التوجه السائد من الانفتاح إلا قلة من العقليات التي عفا عليها الزمن.

 

abofares1@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة