|   

النسخة: الورقية - سعودي

< في فيلم الناصر صلاح الدين، الذي مثل دوره الراحل القدير أحمد مظهر، قال مخاطباً وفد جيوش الفرنجة أثناء مفاوضتهم ووصولهم إلى طريق مسدود: «إذاً هي الحرب»، ثم أردف قائلاً: «نخوضها دفاعاً عن الحق والعدل». وبعيداً عن ماهية العدالة هنا، التي كل ينسبها لنفسه، إلا أن تعابير صلاح الدين في الفيلم كانت توحي بأنه لا يريد الحرب إلا اضطراراً، ومن يريد الحرب يا ترى؟ تأثير الحروب المدمر لا ينتهي بانتهاء حرب دائرة، بل تمتد تبعاته إلى أجيال حالية ولاحقة، ناهيك عما يحصل من أضرار على البنى التحتية والمنشآت والبيئة وخلافه.

في رائعة الكاتبة الروائية الروسية سفيتلانا اليكسيفيتش (نوبل للآداب 2015): آخر الشهود، وفي المقدمة ذكرت: «استشهاد واحد في فترة الحرب الوطنية العظمى (1941-1945) قتل ملايين الأطفال السوفيات؛ روس، وبيلاروس، وأوكرانيين، ويهود، وتتار، ولاتفيين، وغجر، وكازاخ، وأوزبيك، وأرمن وطاجيك»، وبعد ذلك، وفي المقدمة نفسها، قالت: «إن الكاتب الكلاسيكي الروسي دوستويفسكي طرح السؤال التالي: هل يوجد تبرير للسلام ولسعادتنا وحتى للانسجام الأبدي، إذا ما ذرفت دمعة صغيرة واحدة لطفل بريء من أجل ذلك، ومن أجل إقامة الأساس المتين»؟، وأجاب بنفسه قائلاً: «إن هذه الدمعة لا تبرر أي تقدم وأية ثورة وأية حرب، فهي أكثر قيمة دائماً. إنها دمعة صغيرة واحدة».

الكاتبة بعد أكثر من 30 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية، التي قتل وجرح فيها أكثر من 100 مليون شخص، في حرب هي الأكثر دموية، كما ذكر في الغلاف الأخير لآخر الشهود، أعادت من بقي من أبطال تلك المرحلة إلى طفولتهم، التي عايشت الحرب لتروي على لسانهم آخر الكلمات عن زمان يختتم بهم. حقاً تجربة مريرة ومؤلمة لا أحد يرغب بتجربتها أو تكرارها، وإن كانت تحدث الآن في دول عدة في العالم، منها دول عربية. بشاعة الحروب لا يمكن وصفها، ومن الطبيعي ألا يرغبها أحد لأطفاله. أسلوب الوصف الذي نقلت فيه الروائية مشاعر الشهود، وهم يتحدثون عن ردة فعلهم عندما كانوا أطفالاً، مأساة بحد ذاتها. الحروب تحدث لأسباب كثيرة، مثل استعمار، أو احتلال، أو سلب، أو انتقام، أو حتى لأسباب لا تصدق أحياناً، غير أن تبرير هذه الحروب صعب بل وصعب جداً. الألمان واليابانيون والأميركيون والسوفيات والفرنسيون والبريطانيون والإيطاليون وغيرهم من الدول، التي خاضت غمار الحربين العالميتين الأولى والثانية، خلفت لدى شعوبهم آلاماً مريرة بغض النظر عن من انتصر، أو من أبيدت مدنه بالنووي، كهيروشيما وناجازاكي اليابانيتين.

صحيح أن الدول المنتصرة، وبالذات الكبرى، استمرت بخوض مغامرات كبيرة، غير أن الشعوب الآن تضع حاجز الحرب شرطاً بينها وبين الرؤساء، وكم من مظاهرة ضخمة في أميركا تندد بالحروب مع اعتبار أن سبب كثير منهم هو في الخوف على حياة جنودهم، الذين يرون أنهم ذاهبون إلى حروب عبثية لا معنى لها.

هل الحروب ضد الحضارة؟ نعم، فأنا أزعم أن التحضر يعكس السلام والهدوء والإقناع والحكمة، فيما الحرب بعيدة عن هذا. ولعل هذا التهديد الطفولي بين كوريا الشمالية وأميركا (برصانة) زعيميهما تعكس المعنى الذي أقصده بالحضارة عندما تضع حياة الملايين تحت مقصلة هراء فارغ وأجوف.

نعم، وللأسف الشديد، قد يستشهد أحدهم، وبكل سهولة، بأن الحرب ضرورية أحياناً، كونها ضد معتدٍ، فلا مناص، ولكن سؤالي هو: لماذا نصل إلى هذه المرحلة من الأساس؟

 

abofares1@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة