|   

النسخة: الورقية - سعودي

< درسنا في التاريخ عن «يونيسكو» بوصفها منظمة ثقافية، اهتماماتها خارجة عن نطاق المنظمات الأخرى التي تخوض في قضايا الحروب والكوارث وما إليها، غير أنني، على المستوى الشخصي، تعرفت عليها أكثر عندما ترشّح لها في السابق الأديب الكبير الراحل غازي القصيبي. أذكر أنني كتبت في جريدة الشرق الأوسط مقالة بعنوان: «مبروك لليونسكو» إبان الانتخابات، وأظن أن الصديق والكاتب الشهير عبدالرحمن الراشد رئيس التحرير آنذاك جاملني بنشر المقالة، مع أنني لست من كتاب الجريدة، ولكنه كان قريباً من الدكتور غازي ويعرف كفاءته العالية.

القصيبي لم ينجح حينها، مع قناعة كثيرين بأن «يونيسكو» خسرت رجلاً فذاً، ولا أظن أن هناك من «يضارع» القصيبي من جميع من تولوا الأمانة العامة حتى الآن على الأقل.

وفسر الأديب الرائع خسارته برواية قصيرة عنوانها: «دنسكو»، شارحاً المعركة بأسلوب ممتع وظريف ورمزي، غير أن الموضوع - باختصار - هو أن التنافس العربي - العربي شتت الأصوات كما هي العادة.

في مقابلة مع الدكتور المعروف اليمني أحمد الصياد، أجرتها معه الدكتورة المتألقة إيمان الحمود، في «ساعة خليجية» تحدث بإسهاب عن كواليس ما يحدث في «يونيسكو»، قال بما معناه «أنه في كل مرة يتقدم عربي للمنافسة تقل حظوظه كثيراً بسبب المنافسين العرب تحديداً، الذين يستمرون في المنافسة حتى لو لم يكن هناك أمل كبير بالنجاح، لكنهم يستطيعون إفشال العربي الآخر»، وذكر الصياد أن اسمه كان مرشحاً قبل الدكتور غازي آنذاك، غير أن الحكومة اليمنية أبلغته بأن ينسحب لمصلحة السعودي، أملاً بتوحيد الأصوات، وأردف الصياد أنه - بلا شك - انسحب وقدم جل وقته ودعمه للقصيبي، ليس فقط بالطلب الرسمي من حكومته، بل لأن لديه قناعة بأن غازي رجل مميز وقدير وموهوب، وكان سيضيف إلى «يونيسكو»، مسترسلاً بأنه قابل غازي «الذي كان مقدراً لحماسة الصياد العروبي وتغليبه المصلحة العامة على المطامح الشخصية».

بتصوري الشخصي إن أحد أسباب عدم انتخاب القصيبي، وكذلك أي مرشح عربي، تحفظ الغرب عموماً، الذي يرى أن العرب قد يتغلب عليهم انتماؤهم على عالمية «يونيسكو»، فضلاً عن أن الأصوات عموماً متساوية، فلا يوجد دول فيتو أو خلافه.

الصياد ذكر نقطتين مهمتين في الترشحات؛ إحداهما: أن مصر التي تزخر بالكفاءات الفذة الشابة رشحت هذا العام الدكتورة مشيرة خطاب وزيرة الإسكان والأسرة سابقاً، وهي كفاءة، غير أنها لا تصلح لإدارة «يونيسكو»، وحتى أيام القصيبي كان المرشح المصري إسماعيل سراج الدين موهوباً، ولكنه لا يصلح لمنصب أمين عام «يونيسكو».

وللمناسبة؛ فهذا ليس رأي الصياد وحده، فالكاتب عادل حمودة، على سبيل المثال، يرى أن ترشحها كان خطأ، إذ إنها غير معروفة للعالم، بينما الشهرة مطلوبة في هذا المجال.

الترشّح لـ«يونيسكو» في شكل عام عملية صعبة للغاية من الأساس، وللأميركيين والأوروبيين تحفظ تجاه العرب، تغذيه المواقف من الكيان المحتل، الذين كانوا حجر عثرة يوماً في ترشّح الوزير المصري السابق فاروق حسني مع أميركا، وهم أنفسهم انسحبوا هذه السنة لمصلحة المرشحة الفرنسية.

كنت أتمنى لو أن العرب تحالفوا هذه المرة واختاروا المرشّح اليمني الدكتور أحمد الصياد، فعلى الأقل له خبرة كبيرة بـ«يونيسكو، فضلاً على أنه لا يوجد تحفظ تجاهه من الدول العربية الأخرى، إضافة إلى نظرة التقدير التي يحظى بها من الدول الكبرى، فالقضية في الأخير ليست ثقلاً دولياً أو مالاً يبذل، مع أننا لا ننكر دور هذين العاملين في الانتخابات والتأثير فيها.

على أية حال، فمن أجمل أخبار «يونيسكو» هو انسحاب أميركا منها في تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، المرة الثانية، احتجاجاً على ما أسمته بـ«عداء المنظمة للعدو الصهيوني»، وهو ما يثبت أن الأميركيين لا يؤمنون بالديموقراطية التي لا تحقق هيمنتهم، فهم مثلاً يفرضون ما يريدون في منظمة الأمم المتحدة بواسطة الـ«فيتو»، لكن كون هذا النظام الظالم غير موجود في منظمة «يونيسكو» فقد خاب مسعاهم وانسحبوا.

 

abofares1@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة