|   

النسخة: الورقية - سعودي

< اخترع أعضاء مجلس الشورى السعودي نهجاًَ جديداًَ في طرح القرارات، اسمه «الموافقة على ملاءمة المشروع»، ويعني ذلك أنه لكي يتبنوا القرار يجب عليهم أن يوافقوا على نقاشه ثم يناقشونه. هذا يذكرني بالمثل الشعبي السعودي «يا خال أبوي حك ظهري»؛ والمقصود أنني أستطيع «حكّ» ظهري مباشرة من دون أن اضطر إلى الطلب من خال أبي فعل ذلك عني، أي حتى أن أتجاوز أبي نفسه، إذ وافق «الشورى» على ملاءمة درس مشروع نظام «مكافحة التمييز وبث الكراهية»، المقدم من أعضاء حاليين وسابقين في اللجنة الإسلامية، وذلك بأغلبية 76 صوتاً، مقابل 49 معارضاًَ، ورجح كفة الملائمة صوت واحد.

ما يحتج به الأعضاء «القلة» من اللجنة الإسلامية (عبدالعزيز النصار، وسليمان الفيفي، ومحمد الجرباء) ضد نقاش الموضوع في الأساس، هو أنه لا يوجد فراغ دستوري؛ فالقران والسنة ونظام الحكم شملوا كل القوانين والأنظمة، وبالتالي لا يرون حاجة إلى مثل هذا القانون، كما أيدهم بذلك العضو فهد بن جمعة، الذي قال إن المشروع يؤسس للعنصرية، ويدعو إلى الحريات والحقوق.

قبل الاسترسال ألفت نظر القارئ الكريم إلى مداخلة العضو فهد بن جمعة، التي لم أستطيع أن أوفق بين تناقضها، فمن يؤسس للعنصرية لا يدعو إلى الحريات والحقوق، علاوة على أن الجميع يسعى للحريات والحقوق، أم أنه يريد قانوناً يدعو إلى التعسف وانتهاك الحقوق؟ والنقطة الثانية، أن القانون يحارب العنصرية فكيف يؤسس لها؟ ولعل العضو ينيرنا بـ«فذلكة» لغوية لا نعرفها!

ما سبق يثير استفزازاًَ لدى كثير من المتابعين في «تويتر»، وبالذات ممن تمسهم هذه القرارات، وباستعراض تعليقاتهم في موقع التواصل الاجتماعي تلمس شعورهم بالمرارة والأسى من مواقف هؤلاء القلة.

فمن حيث المبدأ الإسلام دين شامل، لكن هناك تفاصيل لم تحدث في عهد المصطفى عليه الصلاة والسلام، بينما وقعت لاحقاً، وإلا ماذا يفسر هؤلاء أن الخليفة عمر نفسه ألغى نظام المؤلفة قلوبهم، مع أن من أقره سابقاً الرسول بناء على الآية الكريمة: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم»..(التوبة :60)، إذ رأى أن الحاجة إليهم انتفت عندما قوي الإسلام. وكان لعلي ابن أبي طالب اجتهادات أو اعتراضات على اجتهادات عمر وعثمان في بعض الأمور، بل إن كل الخلفاء الراشدين اجتهدوا في بعض المسائل، التي حدث فيها نوع من اللغط والنقاش، وما حدث بعد ذلك من تطورات على مستوى العلم والحياة يستلزم تغييراً في معالجة كل ما هو جديد.

ومع كامل الاحترام لا أتفهم مبدأ الموافقة على المناقشة، فهو تضييع للوقت، وهدر مالي، وأي مقترح كان مهما كانت مخاطره لن تتجاوز المناقشات فيه عتبة مجلس الشورى على اعتبار أنهم يرون رفض حتى المناقشة لبعض هذه المقترحات، ناهيك أن عنوان «مكافحة التمييز وبث الكراهية» لا يفترض أن يتوقف عنده أحد، فما الفارق بين هذا العنوان وبين عنوان مكافحة التزوير وبث التفرقة على سبيل المثال؟

أحترم مجلس الشورى وأسعد بوجوده، بل إنني أعتبر إنشاءه من أعظم الإنجازات التي نفخر بها، لكن الاعتراض هو على تلك الفجوة، التي يصنعها بعض أعضائه من الجنسين بينهم وبين المجتمع، فمشروع «مكافحة التمييز وبث الكراهية» ومن قبله «قانون التحرش»، ومقترحات أخرى، تمت محاربتها قبل وصولها حتى إلى الملاءمة، تمس كثيراً من فئات المجتمع السعودي، الذي يتأسى ويستهجن عرقلة قانون يؤسس لمساواة بين أطفالهم وأطفال جيرانهم في بعض الأحيان، وهو ما يؤكد الحاجة التامة إلى انتخاب الأعضاء مع وضع شروط للمؤهلين للانتخاب، وإن كنت أقر بصعوبة ذلك.

 

abofares1@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة