|   

النسخة: الورقية - سعودي

< لم يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خياراً أمام الفلسطينيين، عندما قرر نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ما يتضمن اعترافاً كاملاً منه بأحقية الكيان المحتل بالاحتلال، ولم يكتفِ بذلك، بل طلب منهم ومن العرب التعقل والهدوء، في خطوات استفزازية تنتهك الحقوق الفلسطينية.

ما أقدم عليه ترامب ليس مفاجئاً لمن تتبع خطواته، منذ وصوله إلى منصب الرئاسة، امتداداً إلى تصريحاته الهزلية، وقراراته التي تكرس مبدأ العنصرية، وبخاصة ضد العرب والمسلمين.

اليوم، ليس هناك مجال للفلسطينيين إلا أن يقاوموا، فالتعامل مع المحتل أو أميركا أو غيرهم من الدول الكبرى لن يجدي نتيجة، فلا يستطيع ترامب أو غيره أن يكسر إرادة الشعب الفلسطيني ولا أي شعب آخر، وهؤلاء المكافحون الذين تسومهم الدبابات الغازية سوء العذاب لن يضيرهم طنين الذباب، وفي المحصلة قرار ترامب مرفوض مرفوض، فليست القدس أحد أملاكه، أو قطعة من أميركا، لكي نهلع أو نجزع عندما يعترف بها عاصمة لـ«حبيبة» أميركا الأبدية.

رد الفعل العالمي على قرار أميركا الظالم يعطي انطباعاً على أن الضمير الإنساني لم يمت بعد، وأن استغلاله واجب، بل فرض عين، فمعظم دول العالم شجبت واستنكرت، ناهيك عن غضب عارم، سواء بسبب القدس لمكانتها الدينية، أم من منطلق عروبي، أم إنساني. قد يتساءل بعضنا عن تصرفات متشنجة من أشخاص يظهرون في مواقع التواصل الاجتماعي يسيئون إلى السعودية أو دول الخليج، وبرأيي أنك لا يمكن أن تحاسب شعباً كاملاً بسبب تصرفات مجموعات أو حزب، ولا أبالغ إذ أقول بل وحتى لو أقدمت السلطة الفلسطينية نفسها على تلك الإساءة فإن قضية فلسطين بمنأى عن ذلك، فضلاً عن ذلك ليس هناك ما يثبت من هو مصدر هذه المقاطع والصور التي ظهرت فجأة، التي لا أستبعد أن يكون خلفها الموساد، وبخاصة أن التركيز على كون البديل المنقذ هو تركيا «طرفة سمجة»، فلا أحد يستطيع هذه الأيام أن يدّعي أنه يقف في وجه المحتل أو الأميركيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، عدا أن العلاقات التركية مع الكيان المحتل هي أقرب إلى «أشهر عسل» دائمة.

أتصور أن الرد الطبيعي على تلك الاتهامات الموجهة ضد المملكة هو بإثبات العكس، من خلال طرح هادئ في وسائل الإعلام، فضلاً عن التواصل مع الدول العربية الأخرى لاتخاذ موقف موحد ضد أية دولة تعترف بالقدس عاصمة لغير الفلسطينيين، وهو قطعاً أفضل ألف مرة من محاولة تحقير أو إهانة، أو التنصل من القضية الفلسطينية، التي رضعنا حبها منذ طفولتنا.

الكفاح السلمي للفلسطينيين والإضراب والمقاطعة عوامل مهمة للضغط على الغازي المحتل، الذي يحتاج إلى الفلسطينيين من جهة، ومن جهة أخرى لا يستطيع هذا الكيان البغيض البقاء معزولاً في حالة الاتحاد العربي ضده، فلا عدد سكانه ولا مساحة الأراضي المحتلة ستدعمه في أية مواجهة كاملة كانت أو حرب استنزاف.

أعتقد أن الرئيس ترامب أشعل فتيلاً في المنطقة، وأشعل فتيلاً آخر ضد كل المصالح الأميركية، فالقدس تمثل دلالة قدسية عند المسلمين في شكل عام، كما أنها جزء لا يتجزأ من الأمة العربية التي ترى أنها المعنية بهذه الطعنة الأميركية.

في مواجهة دولة مثل أميركا لا تملك إلا المقاطعة بوصفها سلاحاً خطراً يستخدم ضد الشركات الأميركية، التي من الممكن أن تضغط بدورها على صناع القرار، غير أن ظروف المنطقة الحالية لا تنبئ بخير، وللأسف الشديد، وهو أصلاً من الأسباب التي شجعت الأميركيين على استغلال هذه الفرصة الذهبية.

لا أدّعي أنني أعرف الدواء السحري، الذي ينقذ شعبنا الفلسطيني الأبي من هيمنة الطغاة والأب الروحي للطغاة، غير أن الأميركيين - للمناسبة - شعب لا يغفر للحاكم الذي يتسبب في ضرر اقتصادي لهم، فدعونا نحارب ترامب التاجر، ونفعّل سلاح المقاطعة مرة أخرى مع أية شركة تتعامل مع عدونا الأبدي.

عاشت القدس فلسطينية عربية إلى الأبد، واللعنة على كل من مد يده للغزاة من الخونة والعملاء.

 

abofares1@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة