|   

النسخة: الورقية - دولي

من يقتنع بفكرة وجود المؤامرة خلف الأحداث التي تقع داخل الدول حول العالم وفي أية مرحلة في عمره، خصوصاً في زمن تكوينه الفكري، فهو مرشح لأن يستمر أسيراً لذلك في تقويمه للغالب الأعم من هذه الأحداث في ما بعد. مناقشة شخص كهذا لا يمكن أن تجدي نفعاً، ولن تخرج منها بنتيجة لأنه يتسلح بهذا الرد ويضعه درعاً واقية ضد أية معلومات جديدة قد تكشف عن جهله وتواضع متابعته. نعم هناك من يستفيد من هذه الحادثة أو تلك من القوى القريبة أو البعيدة ويعمل على توجيه الأحداث، ولكن هذه الاستفادة والتوجيه يأتيان بعد وقوع الحدث وليس قبله، ويحصد في النهاية ما يستطيع من مكتسبات، وهذا لا يمكن نفيه أو إنكاره. أخطر ما في انتشار فكر المؤامرة في المجتمعات النامية استغلال أصحاب الأجندات الخاصة والمتحزبين لينالوا من هذه الجهة أو تلك عندما تأتي المواقف والأحداث ضد الحزب إياه، ولا أقول ضد أوطانهم، بذريعة أن ما يحدث غير صحيح وهو من فعل الأجنبي.

من الأمثلة على المؤامرات الكبرى في منطقتنا في العصر الحديث وجود منظمة «القاعدة»، التي يعتقد البعض أنها ليست إلا صنيعة صهيونية غربية، وعملياتها في السعودية إنما هي تنفيذ لمخطط سري ضد بلاد الحرمين لضرب الإسلام. لذلك فعملية ١١ أيلول (سبتمبر) تعتبر مؤامرة من أجهزة الاستخبارات الأميركية للهدف نفسه. كما أن ثورة ٣٠ حزيران (يونيو) في مصر مؤامرة نظمها الجيش المصري للإطاحة بحكم «الإخوان المسلمين».

بمعنى أن الرئيس محمد مرسي لم يفشل، ولم يخرج في ميادين وشوارع القاهرة ملايين المصريين يطالبون بعزل الجماعة. هنا مثال واضح على مناكفة هؤلاء للدول المؤيدة لما حدث في ذلك اليوم ودعمها السريع للجيش المصري حتى لو كانوا من أبناء هذه الدول. «داعش» مؤامرة تقودها إيران، بالتعاون مع بشار الأسد، لتحقيق مكتسبات توسعية، ولتشويه سمعة المسلمين السنة. وفِي رواية أخرى «داعش» تنظيم تأسس بواسطة أجهزة الاستخبارات الغربية والإسرائيلية إياها. أخيراً وليس آخراً الموقف من سياسة قطر الغارقة في الوقوع في الدسائس والغيبة ضد جيرانها هي الأخرى مؤامرة أبطالها صناع السياسة في دولة الإمارات العربية المتحدة لتوريط السعودية!

عندما تدخل في مناقشة في محاولة للفهم وتذكّر صاحبك بأن الإمارات عضو مهم جداً في التحالف الموجه ضد الحوثيين، الذي تقوده المملكة، وفقدت العشرات من أبنائها هناك، وتعتبر دولة رئيسة في الوقوف ضد سياسات قطر المنحرفة، يرد عليك بعبارة «الله يستر بس». يقول ذلك في إشارة واضحة إلى وجود شيء ما يحاك ضد المملكة.

وفكر المؤامرة، للمناسبة، يسري حتى على مستوى الرياضة. ففوز نادي «الهلال» بالدوري السعودي هو في عيون خصومه مؤامرة، وخسارة «الاتحاد» مؤامرة، وتدهور «الشباب» وبروز «الفتح» وعودة «النصر» إلى البطولات من جديد، كلها مؤامرات. انتخاب أحمد عيد رئيساً للاتحاد السعودي لكرة القدم كان مؤامرة كبيرة، وخروجه هو الآخر مؤامرة. حتى نظام المرور «ساهر» المصمم للحد من تهور قيادة السيارة مؤامرة لجباية المال. أستطيع الحديث إلى الغد عن هذه القصص.

لو أن هذه القناعات تبقى في عقل الشخص المقتنع بالمؤامرات لكانت الحال أهون. المشكلة محاولة ترويجها والاستماتة في فرض وجهة النظر إلى حد الازدراء بالآخرين غير المصدقين لهذه الروايات. على أن هؤلاء العباقرة، من دون غيرهم من بقية خلق الله، يقعون في درجات متفاوتة، بعضهم سيخلق فكرة المؤامرة من العدم ويقاتل من أجلها. هؤلاء هم الأقل، وأعتبرهم الشواذ من القاعدة المؤامراتية. الغالب الأعم يحاول ربط الأطراف المستفيدة بالحدث، ويقفز إلى النتيجة الحتمية، وهي أن هؤلاء المستفيدين هم من خطط لوقوع الحدث بحكم استفادتهم من نتائجه. ففي موضوع ١١ سبتمبر مثلاً تم القفز إلى إدارة الرئيس بوش، بحكم أن الولايات المتحدة استفادت من تلك العملية وحققت أمنيتها بضرب أفغانستان والعراق. كلنا يعلم بالطبع أن هذه «المؤامرة» فشلت في نتائجها بكل المقاييس. أميركا خسرت تريليونات الدولارات وعشرات الآلاف من جنودها من دون أن يتحقق لها شيء. وفي موضوع «داعش»، وهو ينهار اليوم بوتيرة متسارعة، لا يوجد طرف مستفيد لا في إيران التي حاولت الاستفادة منه ولا في الغرب. دول العالم الكبرى لم تقم بهجوم على الإسلام والمسلمين بل العكس. فالملاحظ هو جهاد تلك الدول مع دول العالم الإسلامي المعتدلة لإزالة هذه الوحشية البغيضة التي أسس لها تنظيم «داعش».

في موضوع تمرد دولة قطر على أشقائها العرب وتفانيها في زرع الفتنة داخل جميع الدول المقاطعة، ومنذ زمن طويل، وكذلك دعم الميليشيات المتطرفة في كل مكان، لا يوجد حقيقة مستفيد واضح من هذا السلوك. المستفيد كما تم الكشف عنه هو طموح ومراهقة حكومة الحمدين التي ظنت أن هذه الثورات ستمنحها الفرصة للخروج من جزيرتها والتوسع غرباً نحو محافظة «أوشيقر» (وسط المملكة) مروراً بالأحساء. هنا يأتي البعض بالماسونية «الغامضة»، التي تعمل قطر لمصلحتها، وكما أشرت في مطلع هذه المقالة، من يقتنع مرة واحدة بفكر المؤامرة لا يستطيع الخروج منها مهما شاهد أو سمع من الأدلة القاطعة.

الحقيقة التي لا جدال فيها أن هناك مغيبين حول العالم مكنتهم الظروف من الوصول إلى صناعة القرارات. هؤلاء هم من يصنع كل الفرص الهائلة التي تستفيد منها الأطراف الأقوى والأكثر حكمة وهدوءاً. تنظيم «القاعدة» كان في قمة الجنون عندما توهم أن بإمكانه إسقاط الولايات المتحدة وحلفائها حول العالم عبر عمليات انتحارية عدة هنا وهناك. جماعة «الإخوان» رشحوا أكثرهم جهلاً في السياسة وأقلهم كاريزما ثم قبلوا بتولي السلطة في مصر وانكشف عوارهم وتخلفهم في علوم السياسة والإدارة في عام واحد، وسقطوا في تلك الليلة المروعة، ثم اعتصموا في الميادين وتباكوا بعد فض تلك الاعتصامات. أي عادوا إلى ما يحسنون عمله منذ تأسيس الجماعة وهو ادعاء المظلومية وممارسة اللطم ثم الإرهاب. «داعش» وغيره سقطوا وتلاحقهم قوى العالم في كل جحر. الغريب أن هذه المؤامرات لا تنتشر ولا يتم الترويج لها إلا في منطقتنا فقط. هناك كثير من الحوادث والمواجهات والمشكلات التي تقع حول العالم، لكن الحديث عن كونها مؤامرات لا وجود له. الذي يحدث هناك في الغالب الأعم هو تحليل يعتمد على الواقع وعلى المنطق.

الأخطر من حديث السذج هو استغلال البعض ممن يحمل هوى الجماعة، كما أشرت، ولهؤلاء بالطبع أجندات مختلفة ومتقاطعة، لتمييع المواقف الحازمة والحاسمة ضد الأعداء، وهم مع الأسف من «الأشقاء». هناك على سبيل المثال، وفي الأزمة مع قطر تحديداً، وممن ينتمون إلى دول المقاطعة، من يتردد في دعم مواقف بلاده وردود أفعالها بذريعة أن ما يحدث هو مدبّر في ليل وأن القصة مفبركة ومليئة بالأكاذيب. بمعنى أن «التسجيلات» لا قيمة لها وأن مواقف قناة «الجزيرة» طوال السنوات والعقود الماضية هي مجرد تعبير عن رأي ورأي آخر، وأن تغريدات المستشار في الديوان الملكي السعودي سعود القحطاني لا صحة لها. ثم يناقضون أنفسهم بالادعاء أن الأفضل في معالجة هذه الأزمة هو تقديم الشكاوى لمجلس الأمن. كيف نتقدم بشكوى وقصتنا كلها أكاذيب؟ النتيجة بالطبع، وهي الهدف حتى لو لم يستشعر بعضهم ذلك، وهذا تغليب لحسن الظن، هي استمرار الأذى ومنح المعتدي الفرصة تلو الأخرى ليطور آلياته وخططه، كل ذلك لكونه يعتبر ربما الملاذ الأخير للجماعة، من لا يزال يؤمّن لقياداتها المال والغذاء ورغد العيش. هل هذا هدف من أهداف المروجين لفكر المؤامرات؟ شخصياً لا يخالجني في ذلك شك، خصوصاً عندما نستمع لمقولات مثل أن إيران والحوثي وقطر تنتصر في هذه الأيام (من دون وجود أي أدلة على ذلك بالطبع) بينما دول المقاطعة ضد قطر تتخبط هنا وهناك بلا هدف.

 

 

* كاتب سعودي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة