|   

النسخة: الورقية - دولي

أذكر صديقاً، رحمه الله، كان يسكن في منزل صغير في منطقة الوشام في الرياض قبل أربعة عقود، وعند نمو تعداد الأطفال والأحفاد وكثرة زياراتهم أصبح هذا البيت غير قادر على استيعاب الضيوف، مع ارتفاع مدخراته المالية في ما بعد قرر أن يبني منزلاً جديداً هرباً من الضيق، وبالفعل تحقق له ذلك، لكنه صمم منزلاً كبيراً جداً في مجالسه وغرفه وخدماته يفوق حاجته، بمعنى أنه تعامل مع الانتقال من حال إلى حال أخرى بطريقة عنيفة وعاطفية مشابهاً التهور، تكاليف الفواتير الجديدة والصيانة والخدمات لهذا المنزل أصبحت مرهقة واضطر في ما بعد إلى بيع البيت بخسارة وشراء بيت آخر متوسط الحجم يفي بالمتطلبات ويقلل من التكاليف.

مع انتقال المجتمع السعودي هذا العام من حال التوجس والخوف والانغلاق إلى الانفتاح واللحاق بركب المجتمعات المعتدلة بدأنا نلحظ وجود بعض التهور وغياب الإعداد المناسب لما يسمى الفعاليات «الفنية»، وبينها وبين الفن سنوات ضوئية. أتحدث عن أنشطة يتقدم بها «منظمون» من القطاع الخاص بلا خبرة ولا بعد نظر، وتخضع بالطبع لموافقة هيئة الترفيه، لكنها تجاوزت ما هو مقبول ومطلوب في مجتمع محافظ بطبيعته كمجتمع المملكة. البعض منا بدأ يشك في أن هؤلاء المنظمين ربما تعمدوا الإساءة لفكرة الانفتاح برمتها من خلال تجاوزاتهم. نعم نحتفل بعودة الفن الراقي والحفلات الغنائية الكبرى التي يطرب لها الجمهور المتزن وطالبنا بها مراراً وتكراراً، نحتفل بعودة سيدة الغناء العربي أم كلثوم وفيروز ونجاة الصغيرة وسعاد محمد إلى شاشة التلفزيون السعودي، وقد عُدنَ، لكن ذلك لا يعني بالضرورة قبول الإسفاف الذي قد يأتي من مغنية غربية أو حتى عربية بمسمى الفن.

كسب تأييد الأغلبية من مواطني هذا البلد ومواطناته نحو المستقبل المختلف عن الماضي وبهذه السرعة، وهذا موضوع في غاية الأهمية، يتطلب العمل بحذر والسير على خريطة طريق غاية في الدقة مع مراقبة صارمة لرصد أي تجاوزات، إن لم نفعل ذلك فنحن كمن يطلق النار على قدمه من مسدسه.

يبدو لي، والعلم عند الله، أن على هيئة الترفيه تعديل شروط الموافقة على الفعاليات، وتطوير آلياتها في المتابعة، بحيث نتفادى الوقوع بمثل هذه الأخطاء، ولو لفترة انتقالية، حتى يستوعب منتج الفعالية حجم المسؤولية، ويلتزم بما يتم الاتفاق عليه من دون رقابة.

سبب الحديث عن هذا الموضوع انتشار بعض المقاطع من فعاليات أقيمت في بعض المدن وأثارت حولها الجدل قبل أيام، قد يراها البعض فناً لكنها بعيدة من ذلك في الشكل الذي ظهرت به، مثل هذه العروض لو تم تقديمها في الغرب فلن يشاهدها أحد بسبب هبوط المستوى الفني، لكن المنظم كما يبدو لم يفكر إلا بوجود الفتاة وبيع التذاكر بصرف النظر عن أي معايير أخرى.

المحصلة في النهاية ومع هذا الهبوط المخجل أن لا متعة فنية على الأرض ولا قيمة مضافة إلى الجمهور، ما عدا منح بعض المناهضين المتربصين الفرصة لمحاولة إحياء «تراثهم» وما يعتمدون عليه في التحريض والتجنيد. نعم فوجود فتاة تتمايل على خشبة مسرح يعتبر كنزاً عظيماً لإعادة الحياة لفكر التطرف ومسببات العنف لدى من لا يزال يقتنص الفرص لإفشال توجه الدولة والمجتمع للمستقبل، وما أكثرهم. لا بد من الإشارة هنا إلى أن هيئة الترفيه تدخلت وأصدرت غرامات مالية ومعنوية ضد المنظم وهذا رد فعل سريع يحسب لها.

أنا هنا لا أقف ضد الفن وأهميته ولا ضد المسرح ولا ضد السينما والإنتاج السينمائي وغيره من المواد الهادفة والنقد البناء، على العكس ننادي بالمزيد من ذلك، ونشجع انتشار المناسبات ودعوة الزائرين حتى من خارج المملكة، كما أنني لا أعمم بالطبع لا في الحديث عن المنظمين الجادين الذين أمتعوا جماهير المملكة بعودة رموز الفن السعودي والعربي إلى المسرح ولا عن جهود هيئة الترفيه التي تشرف على ذلك.

الفن الذي نتطلع إليه هو جودة وقيمة وإتقان وانضباط لا يتخلله فوضى أو ارتجال، هذا ما تحقق في مناسبات عدة أقيمت في عدد من مدن المملكة منذ السماح بعودة الغناء على المسرح قبل عام، فعندما عاد محمد عبده إلى مسرح الرياض وغنى بعد انقطاع، عاد وقد بذل الساعات الطوال مع وليد فايد قائد الفرقة الموسيقية في إجراء البروفات المتعددة ليضمن الخروج اللائق الذي أبهرنا جميعاً ودفع بالجمهور إلى المشاركة في الأداء وليس الاستماع فقط، هذا هو المستوى الأدنى الذي يجب أن ننطلق منه وليس أي عمل طائش يهدف فقط لبيع بعض تذاكر الدخول الباهظة الثمن.

وكما أشرت، فغداً ستأتي المسرحيات السعودية، وأعرف أن عدداً منها في مراحلها الأخيرة من الإعداد والإخراج، كل الأمل بأن تخرج هادفة ومفيدة وممتعة وتحمل قيم مضافة إلى ثقافة وفكر المواطنين، ليتحقق ذلك لا بد من أن تبتعد من الابتذال وإيذاء المشاعر. الفن، سواء كان مسرحيات أو غناء أو أفلاماً درامية أو وثائقية وتاريخية، يعتبر ذا قيمة عالية في التأثير ورفع اسم الوطن ويشكل قفزات كبيرة في رفع الوعي أينما تم عرضه.

نجاحنا من خلال المعايير التي أشرت إليها سيعتبر أيضاً رافداً مهماً لدعم الاقتصاد، كونه نشاطاً سياحياً في الدرجة الأولى، وكلما ارتفعت الجودة كلما ارتفعت الفوائد وزاد دخل المستفيدين. يكفي أن أشير في هذه العجالة إلى أن مداخيل مبيعات الميديا (الفن بكل تفرعاته) في الولايات المتحدة الأميركية تجاوزت مبيعات الصناعة بعظمتها وتنوعها في ذلك الاقتصاد الكبير.

 

 

* كاتب سعودي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة