|   

النسخة: الورقية - سعودي

«نريد أن نسأل الإخوة الفلسطينيين الذين ظلمونا بلا مبرر وثاروا علينا بلا مبرر، لماذا يريدون أن ندفع نحن السعوديون فقط أخطاء آبائهم وأجدادهم وقياداتهم على مدى عمر القضية الفلسطينية منذ 70 سنة وحتى اليوم؟».

هذه المقدمة جزء من مداخلة للكاتب السعودي في صحيفة «عكاظ» الزميل محمد الساعد، عندما استضافه مقدم برنامج «يا هلا» قبل خمسة أيام وبثته قناة «خليجية» السعودية.
استطرد الساعد قائلاً: «السعودية لم ترتكب ما ارتكبوه من أخطاء، بدءاً من العام 39 عندما رفضوا بنود مؤتمر السلام في لندن، الذي ضمن لهم دولة فلسطينية مع تمثيل لليهود في البرلمان، ورفضهم التقسيم عام ٤٨، ولا تورطهم في حرب ٦٧، ولا رفضهم لمشروع السادات عام ١٩٧٩، ولا تهاونهم في مفاوضات أوسلو عام ٩١، وأخيراً عام ٢٠٠٠ عندما رفضوا مشروع السلام السعودي - الأميركي، الذي ضمن لهم دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية».
هذا التعليق الموجز أتى في ثنايا الحديث عن الحملات المشككة الموجهة ضد السعودية. الحقيقة أن النيل من المملكة هذه المرة، على رغم تجاوزه كل الحدود، لم يحرك «بنت شفة» لدى الحكومة السعودية التي تدرك ما وراء ذلك، ويبدو أنها اكتفت بتعليقات وردود الكتاب السعوديين والمغردين في «تويتر».
ثم استعرض الساعد بعض الحقائق حول علاقة المملكة بفلسطين تلك التي لا ينكرها عاقل. فقال: «السعودية في العام ٣٧ كانت دولة ناشئة، بل لم تكن تحت مسماها التوحيدي الجديد (المملكة العربية السعودية)، ومع ذلك وقفت بجانب الإخوة الفلسطينيين على رغم فقرها وضعف قدراتها، وفي العام ٤٨ أرسلت كتيبتين للحرب في غزة دفاعاً عن الفلسطينيين على رغم ضعف إمكاناتها العسكرية وقتها، لكنها أبت إلا أن تروي دماء أبنائها الأرض الفلسطينية، وما تبع ذلك من تضحيات وصلت لحد التضحية بلقمة عيشها العام ٧٣، عندما قطعت إمدادات النفط عن الدول الغربية التي دعمت إسرائيل على حساب الفلسطينيين. هناك الكثير الكثير من أوجه الدعم المالي والسياسي والديبلوماسي والتنموي والمعيشي (السعودي) داخل الأراضي الفلسطينية».
هذه حقائق تاريخية لا جدال حولها، غير أن الملاحظة الأبرز أن هذه الحملة تحديداً و«المنظمة» ضد السعودية بعد موضوع القدس ونقل السفارة الأميركية إليها، لا يشبهها أي حدث سابق يتعلق بفلسطين، ما يميزها هو التوقيت الذي صادف حرب السعودية ضد الوجود الإيراني في الدول العربية، وبالذات في لبنان واليمن، وتتميز أيضاً بأنها تحدث تزامناً مع مقاطعة قطر، التي بدأت قبل سبعة أشهر تقريباً، بسبب مواقف قطر المتعاطفة والداعمة للجماعات الإرهابية في عدد من بؤر العنف على امتداد الوطن العربي.
على أن القصة العظيمة، وأقصد محاولة النيل من السعودية، لم تبدأ في موضوع القدس الأخير، إذ سبقها وفي السياق الزمني نفسه الذي أشرت إليه، موضوع الرئيس سعد الحريري ولبنان ومواضيع اليمن المتفرقة، بل وحتى على مستوى التطورات الداخلية في المملكة، لا يمر أي إعلان عن أي شأن داخلي، سواء قيادة المرأة السيارة، أم «حساب المواطن»، أم «مدينة نيوم»، أم الحملة السعودية غير المسبوقة ضد الفساد، إلا وتجد المحاولات تلو المحاولات للتشكيك أو الازدراء.
الحقيقة أن السعودية وما يدور حولها أو ما يصدر منها أصبحت عناوين معتادة تتصدر كل الأخبار العربية، وخصوصاً القنوات «المهنية». ليس ذلك فقط، بل إن الشأن السعودي أصبح يفرض وفي حالات عدة على السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله الإيراني ليلقي خطاباً.
ما النتيجة في نهاية المطاف؟ ما الذي تحقق لهم من وراء ذلك؟ بعكس كل ما تم التخطيط له، فقد برز وبوضوح وعبر جميع وسائل التواصل، أن هذه المحاولات في حقيقة الأمر ارتقت بوعي المواطن السعودي بما يحاك ضده وضد بلاده، وظهر أمامنا مستوى شامخ وغير مسبوق من الشعور بالوطنية. على المستوى الشخصي لم يخطر لي ببال وعبر متابعتي لكل ما يحدث منذ زمن الستينات والسبعينات، التي احتوت على شعارات القومية العربية، واتهام السعودية بالرجعية، وما تلا ذلك من دخول التيارات الإسلامية المسيَّسة، وصولاً إلى حرب أعضاء المنتديات الحوارية في ما بينهم، والتي سيطر عليها تيار الإسلام السياسي الغارق في نبذ «الوطنية» أو ما يسميها بالوثنية، أن شاهدت مثل ما نراه اليوم من دفاع الشعب السعودي عن بلاده ووحدتها. هل نشكر من حرّك هذه المشاعر واستثار ردود الأفعال؟ لِمَ لا؟ إذ وبناء على ترجمة هذا التلاحم الهائل واقعاً على الأرض يشعر المواطن والمسؤول في حقيقة الأمر بأن عدد أفراد الجيش السعودي قفز في عام واحد إلى ما يزيد على ٥ ملايين فرداً من دون الأطفال والنساء، وهذه الملايين قادرة ومستعدة للانخراط في أي عمل دفاعاً عن بلادها، أجزم أن هذا الاستنتاج لم يكن ضمن الأجندة التي عمل «البعض» على تحقيقها من خلال حملاتهم وتلفيقهم.
الدرس الآخر والأهم من هذه الحملات، أن المملكة باتت مدركة إلى حد اليقين أن مصالحها وعلاقاتها الأوثق يجب أن تتجه، إلى جانب بالطبع العقلاء فقط من العرب، إلى بقية دول الـ20 اقتصاداً في العالم. من أهم أهداف قنوات ومعلقي قنوات دول الممانعة وقناة «الجزيرة»، التي تحولت إلى «ذيل أعوج» بسبب كثرة الوعود الكاذبة بتعديل مسارها، أن تتأخر السعودية أو تفشل في مسار التحديث الذي بدأنا به قبل عامين. همهم الكبير ألا تحقق المملكة أهدافها، وأن تبقى أسيرة لتقلبات أسعار النفط ومشكلاتها الداخلية التي يتم نفخها وتضخيمها. يتضح كما أشرت أن المملكة استوعبت كل هذه المحاولات، بدليل إقدامها بكل عزيمة على السير في تحقيق الرؤية بكامل أهدافها، وتجاهل الصغار، والاكتفاء بما أصبح لدى ملايين المواطنين مادة مسلِّية، أو كما نسميها في المملكة «طقطقة» للرد على المزاعم.
هذا هو قدر المملكة، وهو قدر أي دولة قوية تخطف الأضواء عن الآخرين وتصنع الفروقات متى ما أرادت. هل ضرَّ أميركا ودول أوروبا الغربية كم السباب والشتائم التي تنهال عليها كل ثانية من فصائل المفلسين حول الكرة الأرضية؟

كوت: هذا هو قدر المملكة وهو قدر أي دولة قوية تخطف الأضواء عن الآخرين وتصنع الفروقات متى ما أرادت هل ضرَّ أميركا ودول أوروبا الغربية كم السباب والشتائم التي تنهال عليها كل ثانية من فصائل المفلسين حول الكرة الأرضية؟

 

* كاتب سعودي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة