|   

النسخة: الورقية - دولي

يحتدم الجدل في العراق هذه الأيام حول عدم استقلالية مفوضية الانتخابات الذي يضعف من شرعية العملية الديموقراطية، لأن المفوضية الحالية يديرها مرشحو الأحزاب الرئيسية وهؤلاء لا يحظون بثقة الناخبين ولا الأحزاب الأخرى غير المشاركة في السلطة، ولأنهم منحازون فلا يمكن الناس أن يأتمنوهم على أصواتهم كونهم يديرون المفوضية لمصلحة أحزابهم ولا تهمهم المصلحة العامة بقدر ما تهمهم مصالحهم الشخصية ومصالح أحزابهم. وقد كشف استجواب برلماني أخير لأعضاء المفوضية حجم الفساد واللهاث وراء المكاسب الشخصية والمصالح الخاصة بين أعضاء هذه المؤسسة التي يفترض أنها مؤتمنة على أهم مؤسسة في البلد، ألا وهي البرلمان الذي يعتمد على صلاحه كل شيء.

ويقود حملة الاحتجاجات هذه التيار الصدري والقوى المدنية المتحالفة معه والتي تطالب بأن تكون الانتخابات شفافة ومنصفة. كما يطالب المحتجون بتبني نظام انتخابي أكثر إنصافاً من النظام الحالي الذي يتبع نظام «سان ليغو المعدل عراقياً» الذي يعتمد قسمة عدد الأصوات المدلى بها للأحزاب على 1.6 بدلاً من 1. وعلى رغم الاحتجاجات فإن مجلس الوزراء يدرس حالياً زيادة نسبة القاسم الانتخابي إلى 1.7! وكان نظام «سان ليغو المعدل» سمح برفع قيمة القاسم الانتخابي الأول من 1 إلى 1.3 كحد أقصى، لكن البرلمان العراقي رفعه إلى 1.6 الذي يجعل من الصعب على الأحزاب الصغيرة حالياً والتيارات الجديدة أن يكون لها أي تمثيل في البرلمان، ولا يمكنها الفوز سوى في المناطق ذات التجمعات السكانية الكبيرة كالعاصمة بغداد.

يعتبر نظام التمثيل النسبي، الذي أجريت بموجبه الانتخابات الأولى بإشراف الأمم المتحدة، أكثر الأنظمة الانتخابية عدالة لأنه يعتبر البلد كله دائرة انتخابية واحدة ويسمح للناخبين أينما كانوا بالتصويت لمن يرغبون بانتخابه. ومن مزاياه أنه يزيد التماسك الوطني لأنه يفرض على الأحزاب أجندة وطنية كون المرشح يطمح بنيل أصوات الناخبين في كل المناطق ومن كل الطوائف والتوجهات فيصبح خطابه معتدلاً ووطنياً، بينما الأنظمة التي تجري وفق الدوائر الانتخابية المتعددة، بما فيها «سان ليغو» الذي يعتبر أحد تفرعات نظام التمثيل النسبي، فهي تحوّل الأجندة إلى محلية فتدفع المرشحين أولاً، والنواب والمسؤولين لاحقاً، إلى تبني قضايا مناطقية وطائفية وعشائرية ضيقة.

النظام الانتخابي الأول الذي تخلى عنه البرلمان العراقي عندما سيطر عليه الإسلاميون عام 2005، هو الآن النظام السائد في الكثير من دول العالم لأنه يعطي المكونات والشرائح المجتمعية والتوجهات السياسية تمثيلاً حسب حجم التأييد الذي تتمتع به في المجتمع. وهذا النظام يلائم المجتمعات المتنوعة ثقافياً ودينياً كالمجتمع العراقي لأنه يضمن تمثيل جميع المكونات والتوجهات بينما تقمع الأنظمة الأخرى التوجهات الناشئة والمكونات الصغيرة.

وتحاول الأحزاب الحاكمة، التي تخشى انحسار نفوذها مستقبلاً، إدامة سيطرتها عبر التلاعب بالنظام الانتخابي لمصلحتها، متجاهلة التغيرات السياسية والاجتماعية، لكنها ستُفاجأ بانفجار السخط الشعبي بوجهها يوماً، حينما لا يجد الناس متنفساً سلمياً لمطالبهم، فيلجأون إلى العصيان المدني الذي قد ينزلق إلى عنف عندما لا تبدو في الأفق حلول سلمية.

على الأحزاب الحاكمة أن تعرف أن نظام الدوائر الانتخابية المتعددة ونظام سان ليغو «المعدل عراقياً» ليس ضماناً لبقاء الأحزاب الحالية متنفذة، فقد تفقد سيطرتها كلياً بين ليلة وضحاها. وخير مثال على ذلك الهزيمة النكراء التي لحقت بحزب المحافظين الكندي الحاكم عام 1993 بزعامة كيم كامبل الذي خسر 154 مقعداً من مجموع مقاعده البرلمانية البالغة 156 بسبب تجاهله آراء الناخبين وإساءة قراءته التطورات الجارية آنذاك في كندا.

الأنظمة الانتخابية ذات الدوائر المتعددة والتي لا تحقق العدالة وتفضل الحاصلين على غالبية بسيطة، متسببة بضياع ملايين الأصوات، ليست ضماناً لبقاء أي حزب في السلطة أو الصدارة، لأن الاستياء الشعبي قد يقلب الموازين كلياً فيصبح الكبير صغيراً بين ليلة وضحاها كما حصل في كندا. ولو كانت الانتخابات الكندية أجريت وفق نظام التمثيل النسبي المذكور لحافظ حزب المحافظين على تمثيل يتناسب مع عدد مؤيديه في الشارع، لكنها أجريت وفق نظام الغالبية (الفائز يأخذ كل الأصوات) ففاز فيها الحزب الليبرالي ولم يبقَ للمحافظين سوى مقعدين.

لقد تولى الدكتور حيدر العبادي السلطة عام 2014 واعداً بتغيير جذري عما كان يفعله سلفه «القائد الضرورة» وفق تعبيره، وإجراء إصلاحات جذرية للنظام الحالي غير العادل، وأول هذه الإجراءات كان يجب أن يكون تغيير النظام الانتخابي الذي يفضل الأحزاب الحاكمة التي وصفها العبادي بأنها تمارس الظلم. هناك الآن استياء عارم من هذه الأحزاب، والناس يدركون أن العبادي غير قادر حتى الآن على إحداث النقلة النوعية التي ينشدونها فكيف يجددون له في الانتخابات المقبلة؟ بقي أمام العبادي عام كامل كي يجري الإصلاحات المطلوبة ويحقق إنجازاً ملموساً يمكن أن ينفعه انتخابياً. النظام الانتخابي وطريقة تشكيل مفوضية الانتخابات يفتقران إلى العدالة، لأنهما يساهمان في بقاء الكثير من شرائح المجتمع غير ممثلة في البرلمان والحكومة. نظام التمثيل النسبي ذو الدائرة الانتخابية الواحدة، الذي اختاره مجلس الحكم عام 2004 وأقرته الأمم المتحدة، هو الأفضل للعراق لأنه يعطي الجميع التمثيل الذي يستحقونه وفق حجم التأييد الذي يتمتعون به في الشارع.

إن بقاء النظام الانتخابي الحالي قد يأتي بنتائج مماثلة لانتخابات 1993 الكندية، ويقتلع الإسلاميين من الوجود، وعندئذ قد يلجأ البعض إلى الاحتكام إلى السلاح للحفاظ على النفوذ والمكاسب لتبدأ الكارثة الحقيقية التي لن ينتصر فيها أحد. يجب امتصاص الغضب الشعبي العارم، الذي لا تدرك الطبقة السياسية الحالية حجمه بسبب ابتعادها عن الناس وهمومهم ومشاكلهم وانشغالها بمصالحها وكيفة المحافظة على مكاسبها بأية وسيلة، والوسيلة المتاحة لامتصاص هذا الغضب هي إجراء إصلاحات حقيقية تبدأ بتغيير النظام الانتخابي ومفوضية الانتخابات ثم تشكيل حكومة خبراء غير سياسية قادرة على النهوض بأعباء تطوير البلد وتحقيق العدالة التي ينشدها الناس وإيقاف التدهور الحالي، حكومة ترسي دعائم النظام الديموقراطي الحقيقي المقترن بتنمية اقتصادية وتشريع قوانين عصرية منصفة، تحقق العدالة وتحفظ الحريات لكل أفراد وشرائح المجتمع.

 

 

* كاتب عراقي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة