|   

النسخة: الورقية - دولي

ليس غريباً أن يهتم الغربيون بالإسلام والشرق الأوسط، فقد دأبوا على ذلك منذ القدم، إلا أن الجديد هو كثافة هذا الاهتمام وطبيعته. فبعدما كانوا يرسلون المستشرقين إلى البلدان العربية لدراستها وكتابة القصص عنها، وكثير منها يحكي نصف الحقيقة، أصبحوا اليوم يعقدون المؤتمر تلو الآخر للتعرف الى الإسلام والثقافة العربية وكيفية إيجاد الحلول الناجعة لمشاكل المنطقة، كان آخرها مؤتمر بحثي عقد في أثينا نهاية أيار (مايو) المنصرم.

ومع أن عنوان المؤتمر كان «الأمن والاستقرار في المتوسط والشرق الأوسط»، تركز معظم الأبحاث على قضايا الشرق الأوسط والإسلام ولم يكن هناك سوى بحثين أو ثلاثة خارج هذا النطاق. ويأتي الاهتمام الأوروبي بالشرق الأوسط والإسلام بسبب تأثير الحوادث المرتبطة بهما على أوروبا والعالم، خصوصاً تنامي الإرهاب المرتبط بمشاكل المنطقة أو المنطلق منها.

فعلى مدى ثلاثة أيام، ناقش خبراء أوروبيون وشرق أوسطيين وأميركيون السبل المؤدية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في منطقتي المتوسط والشرق الأوسط في مؤتمر نظمه المعهد الدولي للعلاقات الاقتصادية في أثينا وشاركت فيه جامعات عدة من اليونان وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا، وهي الدول الأكثر تأثراً بمشاكل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كونها مطلة على البحر المتوسط. وتناولت الأبحاث قضايا الإرهاب واللاجئين وكيفية حماية أوروبا من العنف المتدفق إليها من المنطقة.

الدكتورة إنماكولادا مريرو روخا، الأستاذة في جامعة يونفيرسيداد دي كندا الإسبانية تناولت المقاتلين الأجانب في بحث مفصل، وقالت إن الأرقام المتداولة عنهم غير صحيحة لأن مصادرها غير موثقة. وصنفت روخا المقاتلين الأجانب إلى صنفين: إرهابيين ومقاتلين، وقالت إن الفرق بينهما هو أن الأولين يتألفون من مرتزقة ومجرمين بينما الأخيرون أفراد لديهم أهداف محددة يؤمنون بها، وإن كانت طوباوية وتحقيقها يتطلب ممارسة الإرهاب. الباحث الفلسطيني أنس عودة ألقى بحثاً عن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وانتهاكات حقوق الإنسان، وقال إن عدد المستوطنين بلغ ٥٩٤ ألفاً، مشيراً إلى أن بعضهم لا يسكن تلك المستوطنات بل يعمل ويقيم داخل إسرائيل. البروفيسور أهارن كلايمان من جامعة تل أبيب شكا من قصور دول المنطقة عن التعاون، وأن كل التجمعات الحالية، كالجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، تستثني إسرائيل وتركيا، ودعا إلى تعاون شرق أوسطي يضم جميع دول المنطقة للتعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية، خصوصاً توزيع المصادر المائية الشحيحة.

الباحثان أستيريس هيولاريس وقسطنطينوس ماغليفيراس من جامعتي بيلوبونيس وإيجيان اليونانيتين ألقيا بحثاً مشتركاً حول التحديات الأمنية التي تواجهها ليبيا وكيف تؤثر تلك التحديات في أوروبا. وقال الباحثان إن هناك مبالغة في التقارير المتعلقة بالأخطار الأمنية المنطلقة من ليبيا، لكنهما أكدا أن الخطر الأكبر يأتي من عدم وجود حكومة قوية قادرة على السيطرة على ذلك البلد المنقسم المترامي الأطراف.

وكان لكاتب السطور بحث حول الإسلام والديموقراطية وضرورة انخراط الاتحاد الأوروبي في مساعدة شعوب المنطقة في التخلص من الفقر والإرهاب، موضحاً أن التنمية الاقتصادية والبشرية هي السبيل الوحيد لتعزيز قدرات دول المنطقة في مكافحة الإرهاب. وأشار إلى أن اللاجئين العرب لا يرغبون في الهجرة إلى أوروبا بل يفضلون البقاء في بلدانهم والعيش ضمن ثقافتهم وتقاليدهم لكنهم يضطرون إلى الهجرة بسبب الإرهاب والحروب، فإن ساهمت الدول الغنية في حل مشاكل المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي بقيت تستعر سبعين عاماً، فإن العالم كله سينعم بالأمن والاستقرار. وأشار إلى أن الديموقراطية في المنطقة لن تترسخ من دون إيجاد مقوماتها الأساسية وأولها التعليم والتنمية الاقتصادية.

وأشارت علياء بوران، نائب رئيس الجمعية البرلمانية في المتوسط، إلى أن الإرهابيين لا يمثلون شعوب المنطقة ويجب أن ينتبه العالم إلى أن أبناء المنطقة هم الأكثر تضرراً من الإرهاب ودعت إلى بذل المزيد من الجهود لمكافحته. الدكتورة فيفي كفالا، الأستاذة في جامعة إيجيان، قدمت بحثاً حول سجل البرلمان اليوناني في دعم القضية الفلسطينية، وقالت إن اليونان وقفت إلى جانب الحق الفلسطيني طوال فترة «الصراع الجامد» في المنطقة، ودعت إلى إقامة الدولة الفلسطينية التي قالت إن المنطقة لن تهدأ من دون قيامها.

كما قدم البروفيسور كارالامبوس تساردانيديس، الأستاذ في جامعة إيجيان ومدير المعهد الدولي للعلاقات الاقتصادية، بحثاً مفصلاً بعنوان «القوى الوسطى في الشرق الأوسط» تناول فيه العلاقات بين إيران وتركيا والدور الذي تلعبانه في المنطقة. وبيَّن تساردانيديس أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين متطورة جداً لكنها متفاوتة صعوداً ونزولاً، وهما إذ تتعاونان ثنائياً فإنهما تتصادمان خارجياً، فلكل منهما تحالفاتها المناهضة للأخرى.

البحث الأخير في المؤتمر كان للدكتورة دانيالا إريرا من جامعة دي كاتانيا الإيطالية، وقد تناولت الوكالات الدولية التي تدير أعمال إغاثة اللاجئين والصعوبات التي تواجهها. وقد طُرحت في المؤتمر مسألة الفساد المستشري في تلك الوكالات وغياب الرقابة عليها. واعترفت إريروا، ووافقها باحثون آخرون، بوجود الفساد لكنها أكدت أن الوكالات تقدم خدمة لا يمكن الاستغناء عنها.

كان جلياً من آراء الباحثين والمشاركين في المؤتمر أن الأوروبيين بدأوا يهتمون جدياً بمشاكل الشرق الأوسط ويحاولون أن يساهموا في حلها، ليس من أجل أهل المنطقة فحسب بل من أجل حماية أنفسهم من الإرهاب والحد من تدفق اللاجئين إلى الاتحاد الأوروبي عبر اليونان وإسبانيا، وهما البلدان الأكثر تعاطفاً مع العرب وتفهماً لمشاكلهم. واللافت أيضاً اهتمام الشباب الأوروبي، خصوصاً من اليونان وإسبانيا، بالعالم العربي والإسلام حتى أن بعضهم أبدى معرفة بالفكر الإسلامي إذ ترددت أسماء علي عبد الرازق وابن تيمية والغزالي أثناء مناقشاتهم.

هل يمكن التعويل على التعاطف اليوناني والإسباني، أو الألماني والفرنسي والإيطالي، مع القضايا العربية في وقت دفع فيه الإرهاب الذي تمارسه جماعات إسلامية في أوروبا كثيرين إلى اتخاذ مواقف معادية للعرب والمسلمين؟ هناك الآن دعوات متكررة إلى التشدد مع البلدان التي ترعى الإرهاب أو تتساهل معه، وأحسب أن صبر الغربيين بدأ ينفد تدريجياً، بينما تزداد النزعة الشعبوية في أوروبا وأميركا اتساعاً، حتى أن مشاركين حذروا منها قائلين إنها بدأت تؤثر في سياسات الدول الغربية تجاه العرب والمسلمين.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة