|   

النسخة: الورقية - دولي

اعتاد نظام صدّام أن يتهم معارضيه بالخيانة التي عادة ما تعني التجسس لمصلحة دولة أجنبية أو التعاون معها، ولطالما «اعترف» المتهمون بأنهم كانوا يتجسسون لمصلحة إسرائيل أو إيران أو سورية أو جزر القمر! وأنهم تسلموا أموالاً «للتآمر» على العراق «خدمة للإمبريالية والصهيونية»!

طاولت هذه التهمة كل من غضب منهم رأس النظام، وشملت حتى من ساقه حظه العاثر إلى العراق في زيارة قصيرة، كالصحافي الإيراني فرزاد بازوفت، مراسل «الأوبزرفر» البريطانية، الذي اعتقل بعد أيام من وصوله الى بغداد بتهمة التجسس، و»اعترف» المسكين بأنه كان يتجسس لمصلحة إسرائيل! وبُث اعترافُه عبر التلفزيون فأُعدم في اليوم التالي بعد محاكمة «عادلة»! أما التاجر عبدالحسين جيتا، ذو الأصل الباكستاني، فاتُّهم هو الآخر بالتجسس لإسرائيل وأُعدم وصودرت أمواله المنقولة وغير المنقولة، وقيل إنها السبب في مأساته لأن النظام كان حينها في حاجة إلى الأموال، والشيء نفسه حصل لليهود العراقيين الذين أعدموا أو هُجِّروا وصودرت أملاكهم، فكونهم يهوداً يكفي لاتهامهم بالتجسس لإسرائيل!

التهمة امتدت لتشمل شباناً يافعين وشيوخ عشائر ورجال دين وتجاراً لم تكن لهم علاقة بالسياسة، كشيخ قبيلة آلفتلة، راهي آلعبد الواحد آلسكر، وشيخ قبيلة الجبور، اشخَيُّط آلدانة، بين كثيرين، إذ كانوا رموزاً اجتماعية، لكن النظام افتعل الأزمات الداخلية والخارجية ليعطي انطباعاً بأنه قوي وقادر على إلحاق الهزيمة بخصومه. وإن لم يكن هناك خصوم حقيقيون، فهناك مرشحون كثيرون لهذا الدور. وكان يفتعِل القصص لخلق الأزمات كي يخرج منها «منتصراً»! والتلفزيون ذات يوم أظهر شاباً، اسمه محمد علي نعناع، قيل إن النظام السوري أرسله لوضع متفجرات في مرقد الإمام الحسين في قصة هزيلة لم يصدقها أحد.

استمرت تلك الممارسات ثلاثة عقود ونصف العقد، ويبدو أنها ترسخت فأصبحت ثقافة «سياسية» حتى في ظل النظام «الديموقراطي» الذي «ينعم» به العراقيون منذ 2005. المتغير الوحيد هو طبيعة الاتهامات الموجهة الى الخصوم. فبعدما كانت التهمة «الخيانة» او «التآمر»، أصبحت «الإلحاد» أو «معاداة الإسلام» أو «الإرهاب» أو «الفساد» أو «الانتماء إلى حزب البعث». وهي توجه الى المطالبين بالدولة المدنية والإصلاح ومكافحة الفساد. ولأن أكثر المسؤولين ينتمون إلى أحزاب «مقدسة» يقودها سياسيون يرتدون الزي الديني، لا يستطيع أحد انتقادهم إن أخطأوا أو أجرموا أو فسدوا لأنه سيُتهم بإحدى تلك التهم.

والهدف من توزيع التهم على الخصوم هو الهدف السابق نفسه، وهو قمع المعارضين وإسكاتهم باعتبار أن الناس العاديين يرفضون الإلحاد ولن يتعاطفوا مع الملحدين أو الفاسدين أو الإرهابيين إن حصل لهم مكروه على أيدي الأحزاب الموغلة في الإيمان! سبب اللجوء إلى هذه الأساليب غير الأخلاقية التي تتعارض مع جوهر الدين هو الإفلاس السياسي ومحاولة إثارة جلبة إعلامية تنسي الناس قضاياهم الأساسية، وكذلك لأجل خلط الأوراق كي يظهروا كأنهم حماة الدين والأخلاق والقيم، بينما الحقيقة مختلفة تماماً.

العراقيون يعرفون جيداً أن كثيرين من قيادات هذه الأحزاب المتشدقة بالدين هم سارقون وفاسدون ومزورون، وأن بعضهم متورط في جرائم قتل وخطف وابتزاز، وهم أبعد ما يكونون عن الفضيلة التي يدّعونها. بعضهم كان بعثياً أو شيوعياً وهو، إن لم يكن ملحداً، كان أقرب إلى الإلحاد مما الى الإيمان، لكنه تحول بقدرة قادر إلى الإيمان، ولو كان قد عوقب بالتغييب عندما كان ملحداً، كما يطالب المتشدقون بالدين، لما أصبح «مؤمناً» في شيخوخته ومساهماً في وصولهم إلى السلطة. إن كان هناك ملحدون حقاً، فإن سبب إلحادهم هو ما رأوه من فساد وسرقات وتجاوزات على الحريات العامة وإلغاء للرأي الآخر ارتكبها سياسيون متشدقون بالإسلام.

ولأنه من الصعب اتهام الخصوم جميعاً بالإلحاد، لأن كثيرين منهم مؤمنون حقاً، فإن هناك تهماً أخرى تنتظرهم كالإرهاب أو الفساد، ولا يهم إن كانوا أبرياء، فهذه مسألة ثانوية. فلطالما بُرئ أشخاص كانوا مدانين بينما أدين آخرون ولم يكن لهم عهد بالفساد أو الإرهاب بل ربما لأنهم حاربوهما بشراسة. ومن يصعُب اتهامُه وإدانتُه، فإن الاغتيال هو أسهل الطرق لتغييبه، وهذا ما حصل لمئات الأشخاص الذين اغتيلوا أو اختُطفوا ولم يعرف أحد هوية خاطفيهم أو قاتليهم.

لم تكشف تحقيقات الشرطة حتى الآن عن الذين اختَطفوا أحمد الحجية أو عمار الصفار، وهما مسؤولان رفيعان في الدولة، أو الذين اغتالوا كامل شياع وعبدالرحيم النصر الله وهادي المهدي ونزار عبدالواحد وفاخر التميمي وعبدالحسين خزعل، ومئات غيرهم من الأطباء والأكاديميين والسياسيين والصحافيين الذين استُهدِفوا استهدافاً ولم يُقتلوا أثناء الواجب. رئيس ديوان الوقف الشيعي يصرح بـ «مجاهدة» المسيحيين والصابئة «حتى يدخلوا الإسلام أو يدفعوا الجزية»!، ولم يحاسبه أحد، لا الحكومة ولا المرجعيات الدينية، بل بقي في منصبه لأنه قال ذلك في محاضرة «علمية»!

رئيس الوزراء يشكو «دهره» كباقي أفراد الشعب، ويصرح بأن العصابات تريد أن تكون أقوى من الدولة كي تسيطر على الناس بقوة السلاح باسم الدين والمذهب، «ومن يعترِض يُختطَف»! متناسياً أن الناس ينتظرون منه إجراءً لحمايتهم من ميليشيات الأحزاب المتحالفة معه، وأن مجرد الشكوى ليس كافياً. إن كان المسؤول الأول في الدولة يشكو سطوة الميليشيات والعصابات من دون أن يفعل شيئاً لمواجهتها، ففي إمكاننا أن نتصور حجم المشكلة.

الذين يرفعون لواء محاربة الإلحاد اليوم، يعلمون جيداً أنهم بعيدون من الإيمان، وأنهم يخالفون تعاليم الدين يومياً في أفعالهم وأقوالهم. فهم يسرقون المال العام ويشغلون عقارات الدولة ويخطفون الأبرياء ويقتلونهم ويرهبون المواطنين ويحاربونهم في أرزاقهم ويتاجرون باسم الدين، وأن هذه الحملة هي جزء من هذه التجارة الرابحة، لكن ربحها لن يدوم طويلاً لأن الحقائق بدأت تتضح للناس جميعاً.

لو كانت الحكومة قوية ومنصفة، لَلَجَمَت تجار الدين وقاضتهم لأن التهديد جريمة تعاقب عليها كل قوانين العالم، وأن حرية المعتقد متاحة ضمن الدستور العراقي. غير أن ضعف الحكومة يضع مسؤولية أكبر على المرجعيات الدينية للوقوف مع الشعب والتبرؤ من المتشدقين بالدين المتاجرين به. عندها، سيتكفل المجتمع بإخراجهم من السلطة التي وصلوها بالدجل والاحتيال.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة