|   

النسخة: الورقية - دولي

لم تنشأ بين العراق وإيران علاقات ودية منذ فجر التاريخ إذ كان البلدان إما في حالة حرب أو خضوع للآخر، وظلت هذه الحالة سائدة حتى الآن، ولكن إلى متى؟ أليس ممكناً أن يقيم البلدان علاقات طبيعية على أساس المصالح المشتركة بدل التبعية أو الاحتراب؟ إقامة العلاقات الطبيعية ممكنة ولكن شريطة أن يتغير تفكير النخب السياسية التي تحكم البلدين. الإيرانيون يجب أن يحترموا العراق كدولة مستقلة تضع سياساتها على أساس مصالحها الوطنية، والعراقيون يجب أن يعرفوا أن العداء أو التبعية لإيران ليسا حتميين، وبالإمكان إقامة علاقات طبيعية متوازنة.

هناك شعور سائد عند النخب الإيرانية المتعاقبة هو عدم التعامل مع العراق كدولة مستقلة، وأن هذا البلد يجب أن يكون خاضعاً لجارته الشرقية! فما زال الإيرانيون يتعاملون مع العراق وكأنه جزء من الإمبراطورية الفارسية. ولأن العراق يضم مراقد ستة من أئمة الشيعة، ترى إيران أنها يجب أن تسيطر عملياً، أو معنوياً، على الأقل، على هذه المراقد المهمة والمدارس الدينية في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، وأن تهيمن على القرار السياسي والديني العراقي، باعتبارها البلد الشيعي الأكبر في العالم.

ومنذ تحول إيران إلى التشيع قبل خمسة قرون لم تتوقف عن استخدام الدين والمذهب لإضعاف العراق وتقسيم العراقيين، وكانت الإذاعات الإيرانية الناطقة بالعربية (طهران وأهواز وعبادان وقصر شيرين) زمن الشاه تخصص برامج موجهة للعراق، وتذكِّر دائماً بتهميش شيعة العراق سياسياً. وبسبب حديدية نظام صدام وعدم تقبله النقد وغباء أجهزته السياسية والإعلامية وقسوته المفرطة في التعامل مع المعارضين وعنصريته الطاغية، وجدت الدعاية الإيرانية آذاناً صاغية في العراق، خصوصاً مع تفاعل بعض العرب مع نظام صدام، على رغم قسوته وهمجيته. لكن قدرة الشاه في التأثير في الشيعة العراقيين كانت محدودة، لأنه هو الآخر نظام قومي تسلطي يعادي العرب، لكنه استفاد من قسوة صدام مع شعبه فدعم المعارضة الكردية المسلحة حتى رضخ صدام وتنازل عن سيادة العراق على شط العرب في اتفاقية الجزائر في 1975 مقابل إيقاف إيران دعمها للأكراد.

إلا أن انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 بهر معظم شيعة العراق، وساهمت الدعاية الإيرانية المكثفة في استفزاز العصبيات الدينية والمذهبية في تعزيز ذلك الانبهار. لكن الذي ساعد في نجاح إيران- الثورة إعلامياً في العراق هو قسوة النظام العراقي وبطشه بخصومه ومنتقديه واستئثاره بالسلطة وتسلم أفراد عائلة صدام مقاليد الأمور في البلد واستهتارهم بالقوانين وإيغالهم في انتهاك حقوق الإنسان، فلم يجد المعارضون أو المنتقدون متنفساً غير الذهاب إلى إيران والانخراط في محاربة النظام العراقي، على رغم عدم انسجامهم قومياً وسياسياً مع النظام الإيراني. وقد اضطرتهم هذه الظروف إلى التكيف مع النظام الثيوقراطي خصوصاً وأن خياراتهم كانت منعدمة أو محدودة. وفي الثمانينات، كانت إيران، إلى جانب حليفتها سورية، البلد الوحيد في العالم الذي تعاطف مع الشعب العراقي سياسياً وإعلامياً، والوحيدة التي قدمت المساعدات المالية والعسكرية واللوجستية للمعارضة العراقية الإسلامية التي مكّنتها من الصمود وتنظيم الصفوف ثم السيطرة على السلطة لاحقاً.

لقد عانت القوى العراقية المعارضة كثيراً نتيجة لعلاقتها بإيران وتحملت أقسى الاتهامات بأنها تصطف مع أعداء العراق، وكان هناك استياء شعبي عراقي عارم من إيران بسبب مواصلتها الحرب على العراق، خصوصاً بعدما بدأت الصواريخ الإيرانية تسقط على رؤوس المدنيين العراقيين في البصرة وبغداد. واقتنع العراقيون بعدم صدق الدعاية الإيرانية التي تدعي أن إيران إنما تواصل الحرب «لتخليص الشعب العراقي من نظام صدام الكافر»، لأن المتضرر الأول منها كان الشعب العراقي. وبعد ثماني سنوات قُتل فيها أكثر من مليون ونصف مليون عراقي وإيراني، وشُرِّد وجرح وأعيق ملايين آخرون، توقفت الدعاية الإيرانية فجأة وفوجئ العالم بموافقة إيران على إيقاف الحرب والقبول بالقرارت الدولية التي كانت قد رفضتها سابقا وإقامة علاقات طبيعية مع نظام صدام.

وسبب ركون إيران للسلم بعد حرب مدمرة للشعبين والبلدين، أن النظام الثيوقراطي وجد نفسه ضعيفا داخليا، بعدما انهكت الحرب قواه واستهلكت مصادره المالية، واستاء الإيرانيون من استمرار حرب عبثية لا طائل منها، لنظام معزول عالمياً بسبب وقوف معظم دول العالم مع العراق لسبب أو لآخر، بينما بقي نظام صدام قوياً ومتماسكاً بفضل الدعم العالمي.

وبعد سقوط نظام صدام، هيمنت القوى الإسلامية التي رعتها إيران لربع قرن على السلطة في العراق. وعلى رغم أنها تحررت من الإملاءات الإيرانية بعد عودتها الى العراق وقبولها بالدور الأميركي وتفاعلها معه، إلا أن غياب الفهم الأميركي العميق للسياسة والثقافة في كل من العراق وإيران، وما صاحبه من سوء إدارة مسؤولين أميركيين ملف العراق، وعدم تمكن إدارة الرئيس بوش من التفاهم والتنسيق مع القوى السياسية العراقية غير المرتبطة بإيران، غيرت موازين القوى كلياً لمصلحة إيران التي زادت من تفاعلها مع القوى العراقية ودعمها للفصائل التي كانت تعمل على أراضيها، بل إنها أسست فصائل مسلحة جديدة داعمة إياها بالمال والسلاح.

وبسبب توالي الأخطاء الأميركية، تراجع النـــفوذ الأميركي في العراق بل اصبح الانســـحاب من الشأن العراقي ســـياسة أميركية رسمية في ظل إدارة أوباما الديموقراطية، وقابل هذا التراجع تنامٍ في النفوذ الإيراني السياسي والعسكري والاقتصادي والديني، بل تمكنت إيران من تحسين علاقاتها حتى مع القوى العراقية المنتقدة لها، سنية وشيعية وكردية. لكن استمرار الدعم الإيراني للقوى التي تمتلك ميليشيات مسلحة أضر كثيراً بسمعة إيران بين العراقيين الذين أخذوا يلومونها على ما ترتكبه القوى المدعومة منها من جرائم وفســاد وسرقات واعتداءات على الحريات العامة. وبينما أغلـــقت المرجـــعية الدينية العراقية أبوابها في وجه السياسيين بسبب استيائها من الفساد والفشل في إدارة الدولة، استمرت القيادة الثيوقراطية الإيرانية في دعم السياسيين الفاسدين والميليشيات المسلحة على حساب استقرار العراق ومصــالح شعبه الأساسية. لكن الأوضاع في العراق تتجه الآن نحو الحسم النهائي بعد تغير الموقف الأميركي في ظل الإدارة الجمهورية الجديدة، والانفتاح العربي على العراق، وبروز قوى عراقية جديدة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة