|   

النسخة: الورقية - دولي

مفجع وممل بيان الجيش اللبناني الذي فسر فيه مقتل 4 سوريين كان اعتقلهم خلال مداهمته مخيماً للاجئين السوريين في بلدة عرسال بالبقاع اللبناني (تشير معلومات أخرى إلى أن عددهم سبعة). وهاتان الصفتان لم تأتيا مصادفة، ذاك أن الرأي العام الذي من المفترض أن يخاطب البيان ذكاءه ليس في وارد مساءلة الجيش عن بيانه ولا عن فعلته، وبهذا المعنى لم يشعر الجيش بأنه مطالب بأكثر من هذا البيان. لقد مات السوريون الأربعة أو السبعة نتيجة الأحوال الجوية.

هذا التفسير يوازي في فظاعته واقعة موت السوريين في السجن، ذاك أنه مؤشر يتعدى في دلالاته إخفاء الجيش أسباب وفاة معتقليه في ثكنه العسكرية، إلى شعوره بأن الموت السجني صار واقعاً يجب أن يتعامل اللبنانيون معه.

الفظاعة المشفوعة ببيان مفجع، ليست سابقة لبنانية وحسب، إنما هي سابقة تفوقت فعلاً على مثيلاتها في دول البعث وفي سجون العروبة الكثيرة. فعندما يموت سوري في سجن نظام البعث، تُسلم جثته إلى أهله من دون أن تكون مشفوعة ببيان. لا قدرة للنظام في دمشق على إصدار بيان، ولا رغبة أيضاً. انعدام القدرة والخيال ناجم عن معرفة بأن بيان التوضيح لن يُخاطب أحداً، أما في لبنان فبيان التوضيح لاقى استجابة، وتبنته وسائل إعلام وسياسيون ومشتغلون بالشأن العام.

للفعلة إذاً صدى اجتماعي وسياسي وطائفي، وهي على ما يبدو ثمرة توافق ما كان الجيش ليدخل مخيمات اللاجئين وليصدر بيانه من دونه. ففي لبنان، تحتاج فعلة من هذا النوع إلى «إجماع» حتى يتمكن جهاز ما من إتيانها. والإجماع عكسه الصمت السياسي حول واقعة رهيبة تتمثل في موت 4 أو 7 موقوفين لدى الجيش اللبناني، والصمت الرهيب أيضاً حول صور جثثهم!

«الديكتاتورية التوافقية» عبارة أطلقتها أكاديمية لبنانية على ما حصل في عرسال ولاحقاً في ثكنة الجيش التي مات فيها السوريون الأربعة أو السبعة. والعبارة تعكس ما حصل فعلاً، ذاك أن قضية اللاجئين في المعايير اللبنانية ليست أكثر من معطى مذهبي. إنهم سنّة، ووجودهم يُقلق الشيعة والمسيحيين. القضية الإنسانية ليست بعداً لبنانياً على الإطلاق، وما يُثار حول وجود إرهابيين بينهم لم تكشفه واقعة واحدة. العمليات الإرهابية التي نُفذت في لبنان أقدم على معظمها لبنانيون بالدرجة الأولى وفلسطينيون بالدرجة الثانية، وليس من بين سكان مخيمات اللاجئين السوريين واحد ثبت أنه منفذ عملية إرهابية.

في المعادلة اللبنانية، اللاجئون السوريون هم من الطائفة السنّية. الطائفة السنّية بيئتهم الاجتماعية، وهذه الأخيرة كانت جزءاً من التوافق على استهدافهم. ما كان للجيش اللبناني أن يدخل المخيمات من دون حصول هذا التوافق. الشرط الشيعي مؤمّن، و «مخاوف المسيحيين» تساعد على المهمة، ويبدو أن وصول الرئيس سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة بدد العقبة الأخيرة.

لكن، لا يبدو أن لهذا التوافق وظيفة سوى استهداف اللاجئين وتأسيس ضغينة لا شفاء منها، ذاك أن مقولة طردهم عبر إشعارهم بالاستهداف لا تبدو واقعية على الإطلاق. النظام السوري لن يقبلهم بأي حال من الأحوال، ووهم نقلهم إلى شمال سورية عبر تركيا لم يُقنع أحداً، ولن يبقى من وظيفة لهذه الممارسات بحق اللاجئين سوى الضغينة المؤسسة لفاجعة أكبر.

المتغير الفعلي الذي أفضى إلى هذا الواقع يتمثل في أن أصحابه نجحوا في تأمين توافق حول استهداف اللاجئين. الشرط المذهبي تأمن لأصحاب هذه الرغبة، والغطاء الذي كانت تؤمنه الطائفة السنّية اللبنانية سُحب من فوق رؤوس هؤلاء. لم يرتفع صوت نائب واحد من تيار المستقبل إلى أكثر من الدعوة إلى التحقيق بما حصل! وفي لبنان يعرف الجميع ماذا تعني عبارة «التحقيق بما جرى»، ففي الوقت ذاته الذي «توفي» فيه السوريون في السجن، كان وزير الداخلية نهاد المشنوق يُعلن أن 80 موقوفاً بتهمة إطلاق رصاص أدى إلى مقتل وإصابة مواطنين لبنانيين أطلق سراحهم بعد تدخلات من سياسيين. «التحقيق بما جرى» ستقوم به سلطات تجري في ظلها وقائع من هذا المستوى، وعلى هذا المقدار من الوضوح. ثم إن موت موقوفين شبان بعد مداهمة عنيفة لمخيماتهم واقعة لا تتطلب هذا المستوى من الحذر و «الدقة» في اختيار العبارات، إذا لم يكن في الأمر شعور بالإحراج ناجم عن معرفة بأن الجيش نال غطاء على فعلته.

لكن العودة إلى نقاش وظيفة هذه الممارسات مفيد أيضاً، فالمرء لن يجد أفقاً لهذه الأفعال سوى دفع اللاجئين إلى «الإرهاب». الأرجح أن الخطة تقضي بذلك. إعادتهم إلى سورية تعني للنظام ولـ «حزب الله» أن السنّة الذين تخلصت منهم «سورية المفيدة» قد عادوا، واللاجئون هم البيئة التي انتفضت على النظام، والأخير لن يأمن لهم بعد اليوم. مناطق القصير ويبرود وحمص وأريافها تمّ تطهيرها من سكانها، والمهمة أنجزت ولن يقبل «المنتصرون» بالعودة إلى الوراء. وعرض العودة المحدودة الذي قدمه أمين عام «حزب الله» لعدد قليل من هؤلاء النازحين يبقى جزءاً من فولوكلور لطلما حفل به خطاب الممانعة السقيم.

«الخائفون» على التركيبة الديموغرافية في لبنان عليهم أن يفكروا في هذه الحقيقة. عليهم أن يُدركوا أن من لعب بالديموغرافيا السورية هو نفسه من لعب بالديموغرافيا اللبنانية، ولبنان لن ينجو من هذا اللعب طالما أنه شريك في الجريمة هناك.

التنكيل باللاجئين هو الطريق الأقصر إلى تفجير الأوضاع في لبنان، وهو الوصفة التي لطالما أمنتها الأنظمة والسلطات لـ «داعش» و «النصرة»، وهذه على ما يبدو وجهة أصحاب الرغبة في موت النازحين في السجون. فوصل التوتر في لبنان بالاضطراب السوري سيطيح ما تبقى من حدود، وسيجعل لمشاريع الديموغرافيا الجديدة في سورية أفقاً لبنانياً، وربما يُبقي على سعد الحريري رئيساً للحكومة، لكنه من دون شك سيعطي صلاحياته إلى الموفد الرئاسي إلى سورية الجنرال عباس إبراهيم.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة