|   

النسخة: الورقية - دولي

حتى ولو كانت الأفكار الأساسية التي يحملها الكتاب الأخير الذي وضعه جان جينيه، تتطابق مع ما «آمن» به ودعا إليه طوال حياته، فإن الكتاب جاء مختلفاً عن كل ما أصدره سابقاً في حياته الغريبة والمتنوعة. ويمكن القول إنه كان من حظ فلسطين أن جاء هذا الكتاب عنها وبوحيها. ولعل في إمكاننا أن نبدأ الحديث هنا بالإشارة الى ما يقول جينيه نفسه عن هذا الكتاب: «.. لا شك في أن الواقع، أي واقع، يقيم خارجاً عني، قائماً بذاته ولذاته. ولا تعيش الثورة الفلسطينية، ولن تعيش إلا من ذاتها. أما تلك الأسرة الفلسطينية، المؤلفة من أم وابن كانا بين أول الأشخاص الذين التقيت في أربد، فإنما التقيتهما في محل آخر ربما في داخلي. الثنائي أم/ ابن موجود في فرنسا أيضاً، وفي كل مكان. فهل تراني سلطت على هذا الثنائي إضاءة خاصة بي، صانعاً من الأم وابنها لا غريبين أراقبهما، وإنما ثنائياً طالعاً مني. وقد تكون براعتي في الحلم اليقظان ألصقته بفلسطينيين، ابن وأمه، كانا مجروفين نوعاً ما في معركة الأردن؟ كل ما قلت وكتبت قد حدث، ولكن لم تظل هذه العائلة هي كل ما بقي لي من عميق، من الثورة الفلسطينية؟ لقد بذلت كل ما في وسعي لأفهم الى أي حد لم تكن هذه الثورة كسواها. ولقد فهمت ذلك بصورة من الصور، ولكن لعل ما بقي لي منها هو ذلك المنزل الصغير في أربد، الذي رقدت فيه ليلة واحدة، وأربعة عشر عاماً حاولت فيها أن أعرف إن كانت تلك الليلة قد حدثت..».

> بهذه السطور، إذاً، يختم جان جينيه كتابه «أسير متيّم» الذي انكب على كتابته بين العامين 1984 و1986، فكان آخر كتاب وضعه قبل رحيله، مستعيداً فيه الحقبة الطويلة من الزمن التي أمضاها «ضيفاً» على الفدائيين الفلسطينيين في عجلون بالأردن، ناهيك بجولات عديدة قام بها خلال تلك الحقبة نفسها في عدد من المناطق العربية في المغرب ولبنان وسورية، تحت اسم «الملازم علي» وغايته، كما قال، أن يفهم الفلسطينيين وثورتهم، في الوقت الذي يفيدنا فيه هذا الكتاب نفسه أن غايته الأساسية إنما كان أن يفهم نفسه. وما كل النصوص التي وضعها جان جينيه طوال حياته، سوى محاولاته لفهم نفسه، وعبر نفسه، العالم المحيط به، متماهياً دائماً مع المهمشين والمتمردين وأحياناً مع الحثالة، معتبراً نفسه واحداً من المقتلعين الدائمين. والحقيقة أن «أسير متيّم» أكثر مما هو كتاب عن الثورة الفلسطينية هو كتاب عن هامشية تلك الثورة، كما سنرى، ولكن كذلك عن الإنسان.

> ولعل جولة على بعض سمات مسرحيات جينيه تمكنها أن تصل بنا الى عوالم كتابه الأخير، فبالنسبة اليه يكون الإنسان بوصفه فاعلاً واعياً، عاجزاً عن إدراك ذاته الحقيقية بسبب وعيه الموضوعي لذاته. ويرى جينيه، في مسرحياته بخاصة، أن الفرد لكي يهرب من شعور الفراغ المريع الناتج من غياب معرفته الحقيقية لذاته، يعمد بشكل طوعي الى تحمّل دور ما. وعلى هذا النحو تحل الوظيفة – تحمّل الدور – محل الفعل. وتتحول في ذروتها الى نوع من الطقوسية، باعتبار الطقوسية النقيض الطبيعي للأصالة. وفي هذا الإطار، نلاحظ كيف أن مسرحيات جينيه، الحافلة بكل أنواع الطقوسية والاحتفالية، التي ليست هنا مجانية جمالية بأي حال من الأحوال، إنما تمتلئ على الخشبة بأشخاص يلعبون هنا دوراً كلفوا به. قناعاً فوق قناع وطقساً إثر طقس: ففي «الشرفة»، يكلف ضابط الشرطة اللاعبين في الماخور لعب أدوار معينة على سبيل الاحتفال الطقوسي. مهمتهم أن يلعبوا الأدوار نفسها في وجه الشارع التأثر، وفي «رقابة صارمة» يلعب القاتل لوفرانك دوراً غير دوره الحقيقي، فيقتل موريس في اندفاعه نحو المجد للوصول الى المرتبة التي وصل اليها ذو العيون الخضر بوصفه قاتلاً حقيقياً ارتكب جريمته في لحظة غضب حقيقية. وفي «الزنوج» يلعب السود على السود المقنعين بالأقنعة البيضاء، لعبة السلطة العنصرية في المجتمع الراسخ على خلفية الثورة والاغتصاب: اغتصاب السلطة والأقنعة المتتالية. وفي «الخادمتان» يحل قتل صورة السيدة محل قتل السيدة.

> تشبه كتابة جينيه فعل الدوخان. الدوخان المتماثل لديه مع التأرجح بين الفعل الأصيل والفعل الإرادي الواعي المدروس. بين القناع والحقيقة. بين الصورة والواقع. في نهاية الأمر، لا يعود ثمة ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي. في «الشرفة» كما في «السواتر» لا يقين لدى أحد، حتى الثورة «العفوية» نفسها لم تعد يقيناً. الثورة الحقيقية لديه، هي فعل الثورة... لا الغاية المتوخاة منها. وعند حدود الافتتان بالثورة كمسيرة لا كغاية يتوقف اهتمام جان جينيه. لقد وقف الرجل الى جانب حركة الفهود السود، والى جانب جماعة بادار ماينهوف الألمانية. وخاض شتى النضالات السياسية بكرم واندفاع، لكنه كان دائماً يتوقف في عمله ونشاطه عند حدود الفعل. عند الهامش. عند القاعدة. ولا يهم بعد ذلك أن يكون الفعل الثوري أدى غايته ووصل مبتغاه.

> والحقيقة أننا إذا لم نفهم هذا البعد في عمل فكر جينيه، سنعجز عن فهم الدوافع التي حدت به الى وضع كتابه الأخير «أسير متيّم» الذي كتبه بعد 25 سنة من الاستنكاف عن الكتابة والنشر. فإن فهمنا المفاتيح الأساسية التي تقودنا الى عمل جان جينيه، سوف نكف عن النظر الى «أسير متيّم» على أنه كتاب عن القضية الفلسطينية، ذلك النظر الذي يخلق سوء الفهم لدى قارئ سرعان ما تغيظه صفحات كثيرة في هذا الكتاب. فالحال أن «أسير متيّم» هو كتاب عن الثوار الفلسطينيين، عن القاعدة، عن الهوامش، عن البشر العاديين، وليس عن القضية أو عن ثورتها. من حمزة وأمه الذين يسقط عليهما جان جينيه شوقه الخاص الى أم لم يعرفها، الى الدكتور محجوب الذي لا يعير اهتماماً الى الجانب السلطوي فيه بل يتوقف عند هامشيته واندفاعه العفوي، الى نبيلة التي يفتنه لديها ما تمثله كامرأة هامشية في عمل ثوري يحاول أن يرسم في كل لحظة خط استقامة يجعل الثورة تبدو وكأنها سلطة تنحو دائماً الى استبعاد الهامشيين والعفويين، الى الشاعر خالد الذي يفتن جينيه فيه شكواه الدائمة من السلطة، ومن كل سلطة، الى صغار المقاتلين الهامشيين، يقوم جان جينيه برحلة، مركزها في أغوار الأردن والمدن الأردنية وموضوعها البشر الذين يندفعون في الثورة، كنقيض للبشر الذين يصنعون الثورة ويحترفونها، وعالمها التجوال والذاكرات واختلاط الأزمنة والمشاعر والحالات. بهذا المعنى، يمكننا أن نعثر في ثنايا «أسير متيّم» على تلك المفاتيح الأساسية التي من شأنها، لو دققنا النظر فيها، أن تعيننا ليس على فهم الثورة الفلسطينية، بل على فهم جان جينيه نفسه. فحتى إن وقف جينيه الى جانب هذه الثورة، وإن فتن بالقضايا العادلة وناصرها، فإن ما همه في كتابه كان أن يعطي الكلام الى كل ما هو هامشي، عفوي، وبهذا المعنى لا نقول أن «أسير متيّم» ينتمي الى أدب جينيه، بل نقول أنه في صلب ذلك الأدب: مفتاحه وخلاصته. تماماً كما أن نص «4 ساعات في شاتيلا» الذي يرصد فيه الكاتب ما رآه في المخيم بعد المذابح هو نص عن انبهار جينيه بالموت، ووقوفه أمامه وقفة المندهش لا وقفه المرتعب.

> فالحال أن الموت، عنيفاً كان أو هادئاً (وهل ثمة موت هادئ؟)، كان واحداً من هواجس جان جينيه في أدبه ككل. نجده غالباً في شكله الطقوسي في «خناقة في بريست»، كما في «رقابة صارمة» وفي «الخادمتان» و «السواتر» و «الزنوج». نجده في كل صفحة يكتبها جينيه، فهو كان يعلم دائماً أن الموعد الأساس والكبير للإنسان إنما هو موعده مع الموت. وإن الموت، هو، في نهاية الأمر، الحقيقة الوحيدة. ومن هنا، حين عُثر على جان جينيه وحيداً ميتاً في غرفة فندقه الباريسي، ذات يوم من ربيع العام 1986، وحيداً هادئاً وقد بلغ السادسة والسبعين من عمر قضى جزءاً كبيراً منه في السجون، وجزءاً كبيراً أيضاً في صمت قطعته ثلاث فترات كتابية قصيرة (1944-1947) حين كتب رواياته ومسرحياته الأولى، ثم (1956-1961) حين كتب بقية أعماله، وأخيراً (1982-1986) حين كتب «أسير متيّم» ونصوص صبرا وشاتيلا، كان من الطبيعي جداً أن يُعتبر ذلك الموت أشبه بخاتمة طوعية لحياة مدهشة، حياة عرف جان بول سارتر كيف يخلدها ويؤطرها ويؤسطرها أيضاً في كتابه المبكر عن جينيه.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة