|   

النسخة: الورقية - دولي

الأخبار الأميركية أعادت إليّ ذكرى قصة عزيزة على قلبي، فمجموعة مجلة «تايم» التي تضم «سبورتس الاستريتد» و «بيبول» بيعت لشركة مرديث، وعدت إلى أيامي في بيروت واجتماعي مع هنري لوس الذي كان وبريتون هايدن مؤسسي المجموعة المشهورة قبل 70 سنة.

المجموعة بيعت بثلاثة بلايين دولار بعد أن شارك في الصفقة الأخوان اليهوديان الأميركيان تشارلز وديفيد كوش اللذان قدّما 650 مليون دولار لإتمام الصفقة. هما من اليمين الأميركي المحافظ ويؤيدان إسرائيل.

قصتي مع هنري لوس تعود إلى أوائل سبعــينات القرن الماضي عندما اتصل بي «عمّو» أبو الســــعيد أبو الريــش، مدير مكتب «تايم - لايف» في بيــروت، وقال أنه في حاجة إلي في اليـــــوم الـــتالي. كان «عمّو» أبو الســـعيد إذا احتاجني لترجمة خبر أو تحقيق يعطيني ألف دولار أجراً، ما كان يمثل ثروة في تلك الأيام.

ذهبت في الصباح التالي إلى مكتب «تايم - لايف»، وكان عبر الشارع من فندق سان جورج، ووجدت أبو السعيد مع هنري لوس، وقيل لي أنني سأترجم لهما في اجتماع مع رئيس الوزراء وكان رشيد كرامي، رحمه الله، فقد قتِل خلال الحرب الأهلية في حادث هليكوبتر، أرجح أنه كان مدبراً.

خلفية الاجتماع مع رئيس الوزراء تعود إلى مقال نشرته «تايم» و «لايف» عن إغلاق بنك إنترا، أكبر بنوك لبنان حينذاك وتملك الحصة الأكبر فيه أسرة بيدس. كان عنوان المقال «كيف تغلق بنكاً سليماً» فاستاق رجال الأمن أبو السعيد وضربوه.

دخلنا على الرئيس كرامي في السراي القديمة، وجاءت فناجين القهوة بسرعة. هنري لوس قال لرئيس الوزراء أنه مرّ في لبنان وهو في طريقه إلى الشرق الأقصى للقتال خلال الحرب العالمية الثانية، ورأى بلداً جميلاً إلا أن ظروف عمله منعته من العودة إلى لبنان.

كان الحديث في البداية مجرد ذكريات، وذكرني الرئيس كرامي بكلمة نسيتها في الترجمة وتبيّن لي أنه يجيد الإنكليزية، ولكن ليس إلى درجة أن يتكلمها مع رئيس «تايم - لايف». بعد المجاملات، دخل هنري لوس في الموضوع. قال:

السيد رئيس الوزراء، إن محمود أبو الريش أرسل إلينا مقالاً عن إغلاق بنك إنترا، ورجال المخابرات عندكم اعتقلوه وضربوه ثم أفرجوا عنه من دون توجيه أي تهمة إليه، ما يعني أنهم كانوا يعرفون أن الموضوع صحيح وأن المستر أبو الريش بريء.

أكمل هنري لوس قائلاً: الآن يا حضرة السيد رئيس الوزراء، أريد من رجال الأمن الذين ضربوا محمود أبو الريش أن يذهبوا إلى بيته وأن يعتذروا منه. إذا لم يفعلوا ذلك أيها السيد رئيس الوزراء، فإن «تايم - لايف» ستشن حرباً على لبنان، وأعدك يا سيدي بأن لبنان لن يحصل بعد ذلك على دولار واحد من المساعدات الأميركية.

بدا الرئيس كرامي قلقاً، وسألني أنا وأبو السعيد بالعربية: قولك بيعملها؟ قال أبو السعيد أن رئيس «تايم - لايف» نافذ جداً في بلده، وأنه لا يريد إطلاقاً إيذاء علاقات لبنان بالولايات المتحدة، إلا أنه بعث برسالة إلى رئاسة المجموعة في نيويورك عمّا حدث فكان أن جاء هنري لوس وطلب الاجتماع مع رئيس الوزراء.

لا أستطيع اليوم أن أفي رشيد كرامي حقه في المديح، فهو قال لهنري لوس أن لبنان بلد ديموقراطي ولا يُضرَب الناس فيه، وأنه إذا ثبت أن أبو السعيد تعرّض للضرب فهو سيحيل رجال الأمن الذين ضربوه إلى المحاكمة.

بدا هنري لوس سعيداً جداً بما سمع، والرئيس كرامي مشى معنا إلى الباب، وودعنا.

في اليوم التالي، ذهب رجال الأمن إلى بيت أبو السعيد على كورنيش المنارة واعتذروا كما وعد الرئيس كرامي، وكان أبو السعيد قلقاً من النتائج، إلا أن الموضوع انتهى بزيارة رجال الأمن.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة