|   

النسخة: الورقية - سعودي

< يوحي لي خبر صغير من إدارة المرور في السعودية أن هناك عملاً منظماً لإعادة ترتيب الشارع، لجعله يمثل جزءاً من الواجهة الحضارية، ويعطي انطباعاً بسلوكيات يفترض أنها تنبثق من الثقافة العامة للناس.

الخبر، المعلن الأسبوع الماضي، يقول إن إدارة المرور ستوقف الإصدار الفوري لرخص قيادة السيارات، وتلزم المتقدمين بدورات تدريبية مدتها 90 ساعة في حال كانوا لا يجيدون القيادة، تنخفض إلى 30 ساعة لأولئك الذين يجيدونها. هذا من أجمل الأخبار، التي يتبادر إلى الذهن أنها توطئة لقيادة المرأة السيارة، وهي ربما تكون كذلك، لكن الحاجة إلى هذا التغيير في آلية إصدار الرخص قديمة، وقيادة السيارات في السعودية وصلت منذ سنوات بدعوى الازدحام إلى مراحل متدنية من الالتزام بالنظام، واحترام حقوق الآخرين، وتقدير قيمة حياة وصحة الناس إجمالاً، مع ترهل واضح لجهاز المرور الذي اتسع عليه الخرق، والذي ظل يعمل بالآلية نفسها، التي اتبعها لعقود. حتى لو كان الأمر تهيئة لدخول المرأة قائدة للمركبة فهذا أيضاً حسن، فإحدى المشكلات التي أعتقد أنها أثرت في مستوى الالتزام والتحضر في قيادة السيارات هي ذكورية الشارع، إن صحت العبارة، وكون القيادة حكراً على الذكور، وتأصل أفكار معينة عند البعض عن ربط الجرأة في القيادة بمفهوم «المراجل» المرتبط قديماً بركوب وقيادة الدواب، وهو المفهوم الذي كرسه البعض كثيراً في المراهقين الذكور، فيقودون سياراتهم بفعل يشبه محاولات إثبات الوجود والتفوق الفردي، عوضاً عن المطلوب، وهي الدخول في منظومة جماعية تستغل وسيلة نقل عصرية لتحقيق فكرة الانتقال. كان الإصدار الفوري للرخص عبثاً جنينا منه الشوك في أعداد الحوادث والوفيات القياسية، وإذا أخذنا معه التساهل في إصدارها عبر الشفاعات والنفوذ نجد أن نسبة مقلقة ممن يشاركوننا الشارع غير مؤهلين فعلياً لقيادة السيارة بالشكل المطلوب. وصلنا إلى مرحلة أن كثيراً من المواطنين والأجانب يقودون سياراتهم من دون رخصة قيادة، إما لأنهم لا يملكونها أصلاً، أو لم يجددوها، أو هم فعلاً من الفئات التي لا يمكن إصدارها لهم لأسباب صحية، أو نظامية أخرى. المهم في هذه الخطوة، التي يجب الثناء عليها، هو محتوى التدريب، ومستوى المدربين، فالمحتوى يجب أن يضم، إضافة إلى الأسس المتفق عليها للمركبة والطريق وإشارات المرور وعلاماته وأنظمة المخالفات، جزءاً لتعليم السلوكيات، والذوق، والأخلاق، أي بمعنى استعادة الشعار القديم الذي تم وأده «القيادة فن وذوق وأخلاق». إن ركوب السيارة وقيادتها يعني بدء مسؤولية إنسان عن حياته وحياة الآخرين، عن ممتلكاته، والممتلكات العامة، وقته ووقت الآخرين، وهذا ما أقترح أن تتضمنه ساعات التدريب، التي يجب أن تكون صارمة ودقيقة في منح شهادات النجاح والإخفاق للمتقدمين، والمتقدمات مستقبلاً.

السعودية تتقدم خطوة إيجابية جديدة ومهمة في تغيير حياة الناس، وتحسين مستوى التحضر في الطرقات، والتشديد على إننا بلد أنظمة وقوانين في كل شيء، وأتوقع أن التطبيق المخلص لهذا الاتجاه جنباً إلى جنب مع إرهاصات اجتماعية وثقافية أخرى، سيغير المزاج العام، وستنتقل عدوى التحضر إلى كثير من الأشياء والممارسات.

 

mohamdalyami@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available