|   

النسخة: الورقية - سعودي

< تدخل مأساة الغوطة الشرقية مرحلة حرجة يسعى فيها نظام بشار إلى «تصفية» المعارضة فيها، حتى وإن قضى على كل الأحياء وأحرق الأرض وسمم الماء، والأمم المتحدة عاجزة عن فعل ما ينقذ الجرحى تحت الأنقاض ويسعف الجوعى والمرضى ويدفن الأموات، وكل ما تفعله نقل صور الفجيعة المحزنة التي تبثها الأقمار الاصطناعية، والعرب لا يقوون على تحريك الدول الفاعلة، حال من العجز الممرض، وبدت موسكو هي من «يقرر» المصير ويحدد مسار الأحداث، تعلن هدنة هلامية من طرف واحد، تسمح لقوات النظام والميليشيات والمرتزقة بالعمل تحت ستارها لتنفيذ خطة الإبادة بالأسلحة الكيماوية، ولقتل الأمل في النفوس وقهر إرادة كل من يقف في وجه ما يحقق الأهداف المرسومة.

وليست المرة الأولى التي يستخدم فيها نظام بشار الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين العزل، وليست المرة الأولى التي تغض موسكو الطرف عن جرائم وفظائع النظام وإبادة التجمعات المدنية وحرق الأرض من تحت أقدامهم، فروسيا توفر للنظام غطاء دولياً يحميه من التجريم في المنظمات الأممية، وحليفتها إيران وميليشياتها ومرتزقوها يتولون، مع قوات النظام، تنظيف المدن من أهلها، وفرض إرادتهم على من يتمسك بأرضه، فماذا فعلت واشنطن لتنقذ السوريين الأبرياء من جرائم العصر؟ وأين الغرب من حرق الأطفال والنساء والشيوخ بالكيماوي؟ هل وقف المجتمع الدولي بجدية ليفرض على نظام بشار وقف المجزرة؟ وهل ضغطت الولايات المتحدة على روسيا، بقدراتها العسكرية ومصالحها الاقتصادية وتأثيراتها الإقليمية لمحاسبة نظام دمشق ولإيقاف ما يحدث في الغوطة الشرقية، ويضع نهاية للمأساة الإنسانية المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات؟

كل ما سمعناه خلال هذا الأسبوع، أن الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا أكدت ضرورة «محاسبة» النظام السوري في حال إثبات حصول هجمات كيماوية جديدة! أدت إلى مقتل مدنيين سوريين، إضافة إلى مسؤوليته عن التدهور المتواصل للوضع الإنساني في غوطة دمشق الشرقية، وعدم التزام دمشق بوقف إطلاق النار، وتعهد الرئيس الفرنسي ماكرو والأميركي ترامب برد حازم مشترك، إذا تأكد الهجوم الكيماوي الجديد، وعدم التسامح مع الإفلات من العقاب، كما دعت المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الأميركي ترامب إلى وقف مشاركة موسكو في عمليات القصف على الغوطة الشرقية، وحض نظام بشار الأسد على وقف العمليات العسكرية ضد مناطق المدنيين، وحض موسكو وطهران ودمشق على تطبيق «فوري!!» لقرار مجلس الأمن، الذي نصَّ على وقف إطلاق النار من دون تأخير في سورية.

موقف لا يحتاج إلى تعليق إلا بالقدر الذي يساعد على فهم بعض أسبابه، التي منها أن «الاختراق» الذي أحدثه الرئيس الروسي فلادمير بوتين في القضية السورية نقله من حال المدافع عن شرف وكرامة وسمعة روسيا، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أمام التحدي الغربي الذي رفع رايات النصر، وشرع يضع نظاماً جديداً للعالم بعد سقوط المعسكر الشرقي، إلى موقع المتحدي مستعرض القوة الذي يفرض رؤيته وسياسته على الآخرين، وقد دفعه التخاذل الأميركي المتردد، إبان إدارة باراك أوباما، في معالجة الأزمة السورية إلى اتخاذ الخطوة المفصلية حين قرر إرسال طائراته وبوارجه الحربية وكتائب جنوده إلى الساحة السورية، لتصبح له اليد الطولي في الميدان ويصبح ضباطه وقادته العسكريون يديرون «غرفة العمليات»، يحركون أدوات المعركة من جنود النظام والحلفاء وميليشيا الاتباع والمرتزقة على الأرض، يواجهون المنافسين الإقليميين، على الأرض، الذين دخلوا الساحة فترة الفوضى والتسابق على اكتساب المواقع وإخضاع أهلها، وكان من نتائج تلك الخطوة التاريخية «الجريئة»، أن جلس قائد الديبلوماسية الروسية، على طاولة المفاوضات في موقع المطمئن الذي يقبض على «عُقدة» الخيوط ويضع في جيبه أوراق اللعبة، بعد أن سحب البساط من تحت أقدام العواصم الغربية، التي خفت صوتها وقل تأثيرها وتراجعت مواقفها حين شعرت أن هناك «تنسيقاً» خفياً تجري وقائعه وتفاصيله بين الدولتين الكبريين، مع الاختلاف بينهما في سرعة الحركة والجرأة في اتخاذ القرارات والشجاعة في الإقدام، ففي الوقت الذي تبدو واشنطن بطيئة الحركة متراخية الإرادة، تتلمس طريقها بحذر وتحسب خطواتها، تناور وتوزع الأدوار ما بين البيت الأبيض ووزارتي الدفاع والخارجية، ولا تعطي حلفاءها الإقليميين الثقة في التمسك بمكاسبهم، حتى لتبدو المواقف، لمن لا يعرف، أن هناك تناقضاً أو تعارضاً بين مؤسسات الحكم.

أمام هذه الصورة المرتبكة والمربكة، نجد موسكو قوية الإرادة، مندفعة في قرارتها، واضحة في ترتيباتها العسكرية وخططها ومشاريعها السياسية، تسابق الزمن، تضع العناوين للمؤتمرات، وتحدد مواقعها، وتشكل الوفود المشاركة، أدوات اللعبة في مراحلها الأخيرة، تفرض على الكل أن يلتحقوا برؤيتها وتصورها لمآلات الصراع، لا تريد أن تثنيها، عن خططها، أي ترتيبات دولية، مستفيدة من وحدة القرار، بغض النظر عن سلامة ذلك، تمنح الثقة للنظام وحلفائه من الدول والميليشيات، وقد أدت هذه السياسة إلى ما نشاهده من وقائع على الأرض وتبدلات في مواقف دول إقليمية كانت على النقيض من السياسة الروسية.

ومجزرة الغوطة الشرقية، الجارية هذه الأيام، بكل ما تمثله من خزي للنظام وعار على من يقف معه، مرآة فاضحة لعجز المجتمع الدولي عن القيام بواجباته القانونية للدفاع عن مبادئ السلام وحماية شعارات حقوق الإنسان، التي يشهرها الأقوياء في وجوه الضعفاء لتحقيق مصالحهم، كما تكشف ضآلة تأثير الغرب في الأحداث الجارية، وتأخر عواصمه عن خطط الحلول المطروحة في المسألة السورية، كما تكشف عن الإصرار الروسي على التفرد بقيادة «الترتيبات» التي تريد أن تحكم بها قبضتها على هذا البلد المهم في المنطقة، ومن لا يلتحق بهذه الترتيبات سيظل على الهامش.

الصورة واضحة لمن يريد أن يراها؛ روسيا تحكمت في القرار السوري، وحليفاها (إيران وتركيا) تقلصت طموحاتهما إلى ما لا يعوق السيطرة الروسية وقيادتها مرحلة الترتيبات النهائية، ومن الطبيعي أن موسكو لا تتحرك بمعزل عن «التنسيق» مع واشنطن في إطار «مقايضات» سوق المصالح في مناطق النفوذ.

 

 

* كاتب سعودي.

mohalfal@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة