|   

النسخة: الورقية - دولي

هل أفلح الرئيس الصيني، شي جينبينغ، في إحكام قبضة السلطة المدنية على جيش التحرير الشعبي الصيني من طريق عملية تطهير الجنرالات والأميرالات (قادة الأسطول البحري والقوات البحرية) وغيرها من عمليات تشذيب المؤسسة العسكرية؟ من العسير الوقوف على جواب السؤال هذا في نظام سياسي سري و «صفيق» يفتقر الى الشفافية في الكشف عن سياسته وبنيته الداخلية. ولكن التطورات الأخيرة توحي بأن مثل هذه السيطرة لم تستتب بَعد للرئاسة الصينية التي تكافح، الى اليوم، في سبيل امتثال هذا الجيش لها. وتشير الى التنازع بين القيادات المدنية الصينية والقيادات العسكرية، المواجهةُ الأخيرة بين الهند والصين التي لوّحت بالردّ على نيودلهي اذا لم تسحب قواتها من منطقة بوتانية صغيرة زعمت بكين انها جزء من الإقليم الصيني «منذ القدم». وأجّجت المواجهة هذه المخاوف من اندلاع حرب في الهيمالايا. وبعد 10 أسابيع من مواجهة راوحت مكانها في هضبة دوكلام، انسحبت القوات الصينية والهندية في اليوم نفسه، وتراجعت بكين الى ما وراء حدودها.

واتفاق الانسحاب المتبادل أبرم إثر إقالة شي جينبينغ رئيس هيئة الأركان المشتركة في جيش التحرير الشعبي الصيني. والمنصب هذا ابتكر العام الماضي في سياق عملية اصلاح الرئيس الصيني المؤسسة العسكرية من اجل تحويل جيش التحرير الشعبي الى قوة «قادرة على القتال والفوز بالحروب». ويوجه صاحب المنصب هذا (رئيس هيئة الأركان...) دفة عمليات جيش التحرير الشعبي الصيني وأجهزة الاستخبارات وعمليات التدريب. وفي منتصف حزيران (يونيو) المنصرم، اكتشف حليف الهند الصغير، ممكلة بوتان الهيملايانية الصغيرة، أن طواقم جيش التحرير الشعبي تشق طريقاً في دوكلام، فأرسلت نيودلهي قواتها ومعداتها الى الموقع لوقف شق الطريق الصينية التي تشرف على تقاطع طرق ثلاثي تلتقي فيه مناطق التيبت وبوتان وولاية سيكيم الهندية. والجيش الصيني سعى الى تغيير توازن الأمر الواقع في الأراضي المتنازع عليها في الهيمالايا، ولكنه أخطأ الحسابات الإستراتيجية، ولم يحسِب ان الهند ستسارع الى التدخل عسكرياً. فقضمه اراض في بوتان، يهدد امن الهند، لذا، سرعان ما لبت نيودلهي نداء بوتان حين طلبت هذه المساعدة.

وليست هذه المرة الأولى التي يكبد فيها جيش التحرير الشعبي بكين أثماناً ديبلوماسية نتيجةأعماله العدائية في الهيمالايا. فعلى سبيل المثل زيارة رسمية قام بها شي جينبينغ الى الهند في أيلول (سبتمبر) 2014 وتقديمه هدية غريبة الى رئيس الوزراء الهندي، نارندرا مودي، في عيد ميلاده: توغل عسكري صيني عند الفجر في منطقة لاداخ الشمالية الهندية. وكان التوغل هذا الأسوأ منذ سنوات وعدد القوات الصينية الأكبر في عملية من هذا النوع. فعكّرت العملية زيارة شي جينبينغ، وهمّشتها. وبدا مستهجناً ان يختار جيش قوة يعتد بها تشويه زيارة رئيس دولته الى بلد جار. وزيارة رئيس الوزراء الصيني السابق، لي كيغياينغ، دلهي في 2013 سبقها كذلك تدخل الجيش الصيني 19 كلم في عمق لاداخ الهندية، ودام التدخل هذا 3 اسابيع احتجاجاً على سعي الهند الى تعزيز دفاعاتها الحدودية. ومثل هذه الاستفزازات غير عرضية ولا تجري في معزل عن الحكومة الصينية. وقد توحي الاستفزازات هذه ان بكين تستسيغ الجمع بين التكتيكات الناعمة و «الصلبة» (العسكرية). ولكنها تسلط الضوء كذلك على التباين بين القيادات العسكرية والمدنية في الصين. وهو تباين سبق ان حذر منه وزير الدفاع الأميركي السابق، روبرت غايتس، في 2011.

وفي زيارته في 2014، بدا الحرج على شي جينبينغ. فزيارته الهند تزامنت مع انتهاك الجيش الصيني الحدود معها. وأكد شي لمودي انه سيحل الأمر حين عودته. وقال يومها وزير الدفاع الصيني نقلاً عن شي في اجتماع مغلق مع قادة جيش التحرير الشعبي الصيني، إن قوات الجيش هذا تأتمر بأوامر الرئيس، وإنها ملزمة الوفاء للحزب الشيوعي واحترام تراتبية القيادة وقرارات القيادة المركزية. وبعد اسابيع على الدعوة هذه، أبلغ شي جينبينغ الحاضرين في مؤتمر عسكري – سياسي في فوجيان أن «الحزب الصيني هو من يضغط على زناد السلاح». ووجه الرسالة نفسها في الاستعراض العسكري الأخير في ذكرى 90 عاماً على انشاء جيش التحرير الشعبي الصيني في الأول من آب (اغسطس) 1927.

ولكن لو كان امتثال جيش التحرير الشعبي الصيني للقيادة المدنية على ما يرام، لم يكن شي جينبيغ ليطالبه بالولاء الكامل والنزول على اوامره مراراً وتكراراً. وفي ديكتاتورية الحزب الواحد، الحزب الشيوعي يسمو على الدولة. فالصين لا تملك جيشاً وطنياً، بل إن الحزب هو من يملك جيشاً. والأخير، جيش التحرير الشعبي، يحلف الولاء للحزب وليس للأمة الصينية. وفي عهد سلَي جينبينغ، هو جينتاو وجيانغ زيمين، فاقت قوة حزب التحرير الشعبي قوة الحزب الشيوعي، وغلبت كفة الأول على كفة الثاني. وبروز دالة الجيش العسكرية، أقلقت شي جينبينغ. فهذا البروز يعرقل طموح الرئيس الصيني الى ارتقائه الى مصاف أقوى زعيم صيني منذ ماو تسي تونغ. وزوجة شي، المغنية بينغ ليوان، هي مسؤول مدني في جيش التحرير الشعبي، ورتبتها توازي رتبة لواء. وفي سعيه الى إحكام قبضة الحزب الشيوعي على جيش التحرير الشعبي وإرساء إصلاح في البنية الدفاعية، توسّل شي بحملة مكافحة الإرهاب ليوقع عدداً من كبار قادة الجيش هذا في مصيدته، وقلّص حجم القوات البرية وأرسى بنية قيادة وتحكم جديدة. ولكن يبدو أن إرساء الهيمنة السياسية على جيش التحرير الشعبي، عسير في وقت أن جعبة الحزب الشيوعي الصيني خاوية من إيديولوجيا ومن سند أخلاقي. والحزب هذا يعتمد على جيش التحرير الشعبي لإرساء النظام وضمان احتكاره السلطة. ومشروعية النظام وثيقة الصلة بالقومية. ولكن جيش التحرير الشعبي، وموازنته بالغة الارتفاع ودوره يتوسع في حماية المصالح الصينية ما وراء البحار، يرى انه الحكم وصاحب الكلمة الفصل في الشؤون القومية. وأعداء شي جينبينغ في الداخل الصيني كثر، وهو «راكمهم» في مسعاه إلى احتكار السلطة من طريق حملة تطهير الفساد.

وبدا أن سياسة الحكومة الصينية وجيش التحرير الشعبي متناغمة في أزمة دوكلام. فوزير الخارجية ووزارة الدفاع الصينية وجها تهديدات حادة الى الهند. ولكن ما إن طرد شي جينبينغ رئيس هيئة الأركان، الجنرال فانغ فينغهو، أُبرم اتفاق مع الهند. وهذا يوحي بأن الجنرال، وهو من اعلى القيادات العسكرية، كان يحول دون التسوية. وطرد فانغ بعد أيام من استقباله الجنرال الأميركي، جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، وحل محله الجنرال لي زيوشنغ، وهو «بطل حرب» شارك في اجتياح الصين فيتنام في 1979. وحملة التطهير التي يشنها الرئيس الصيني ترمي الى تعزيز قبضته على جيش التحرير الشعبي والحؤول دون تجاوزه الحكومة في أعماله وبياناته. ويعيد الى الأذهان تعاظم قوة هذا الجيش ما حدث في امبراطورية اليابان التي ارتقت الى مصاف قوة دولية في جيل واحد، اثر عودة امبراطورية الميجي في 1868. فتعاظمت قوة اليابان إثر الانتصار على الصين وروسيا القيصرية، وحاز الجيش الياباني نفوذاً سياسياً وصار يملي شروطه على الحكومة المدنية. وهيمنة الجيش الياباني شرّعت الأبواب على حملته العدائية في الخارج واجتياحه آسيا. وفي العقد الأخير، تعاظمت قوة جيش التحرير الشعبي، فاستعرضت الصين عضلاتها في الخارج: وتفاقمت الخلافات الحدودية والبحرية، وزادت مزاعمها السيادية على أراض متنازعة الحدود وشيدت جزراً ومنشآت في بحر الصين الجنوبي لتغيير توازنات الأمر الواقع. والحق يقال تتردّد أصداء نزاعات الصين السياسية الداخلية واضطراب العلاقة بين القيادة المدنية والعسكرية في سياستها الخارجية.

 

 

* كاتب هندي، خبير في الشؤون الإستراتيجية، عن «جابان تايمز» اليابانية، 6/9/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة