|   

النسخة: الورقية - دولي

أكثر وجوه الانهيار المالي قبل تسع سنوات قبحاً هو أن المؤسسات الكبيرة والضخمة، ترابطت ترابطاً اضطر الحكومة الفيديرالية الأميركية الى الحؤول دون افلاس المؤسسات هذه مهما بلغ تهورها، مخافة اطاحتها الاقتصاد وإنزالها ضرراً جسيماً به. ونجم عن قرار الحكومة إنقاذ هذه المؤسسات، وعملية الإنقاذ شملت بلايين الدولارات بذلتها المؤسسات مكافآت لمديرين مسؤولين عن الإخفاق الكبير، غضب كبير عمَّ الناس. ونفخت مشاعر الغضب في لحمة الشعبويين، الى اليمين واليسار، على حد سواء. وأقرّ الكونغرس في 2010 قانون دود- فرانك لتقليص أخطار وثيقة الصلة بمؤسسات هي «أكبر من ان تفلس»، على الاقتصاد. ولكن مذ ذاك، وعلى رغم ارتفاع سوق الأسهم وازدهارها، ركدت الرواتب، وتواصلت فصول معاناة ضحايا الدائنين الكواسر. وعلى رغم ذلك كله، طالب وول ستريت بإنهاء ضوابط دود – فرانك. وأعلنت ادارة دونالد ترامب أنها تميل الى هذه المطالب، وطمأنت وول ستريت وأشارت الى انها لن تأخذ بدروس الأزمة المالية. وإدارة الخزانة الأميركية على قاب قوسين من نشر سلسلة تقارير ثانية تتناول دود- فرانك. والسلسلة الأولى من التقارير دعت الى اضعاف القيود على المصارف، وعلى عملائها الكبار، والتراجع عن فرض عتبة عالية من الملاءة المالية (نسبة الاحتياط من مجمل الودائع وقيمة الأعمال؛ سيولة جاهزة على الدوام للتدخل عند تعاظم السحب، وهو علامة فقدان ثقة).

ويتوقع ان يقترح التقرير المقبل قواعد ناظمة رخوة على الشركات المالية والمصارف، وتقييد قدرة الحكومة على تصنيف شركات تأمين وشركات قروض وغيرها من الشركات بـ «أكبر من أن تفلس». والتصنيف هذا يُشدد قيد الضوابط المالية على الشركات هذه، ويلزمها حيازة قدر أكبر من الرساميل المالية. والعودة عن دود – فرانك يغفل دروس التاريخ وعِبره. ففي الأزمة الأخيرة، ثبت ان شركات ليست بمصارف تهدد الاقتصاد شأن المصارف الكبيرة. وإثر انهيار ليمان براذرز، نجت مؤسسات استثمار كبيرة في وول ستريت من طريق تحويل نفسها الى مصارف، فحصلت على مساعدات مالية وقروض رخيصة وميسرة من الحكومة الفيديرالية وضمانات فيديرالية. وطالبت مجموعة «التأمين الأميركية الدولية» بـ 182 بليون مساعدات إفلاس مالي، واحتاجت شركة «جي إي كابيتل» الى دعم فيديرالي قدره 139 بليون دولار لاقتراض اموال وعدم الغرق. ولا شك في أن إضعاف القيود الناظمة على المؤسسات المالية وغيرها من الشركات ستقوّض عملية ناظمة مقيدة. واليوم، ثمة شركتان مصنفتان «أكبر من أن تفلس» هما A.I.G وPrudential Financial، وهما من عمالقة شركات التأمين. وإثر تقليص حجمها، شطب الناظمون الفيديراليون، في 2016، «جي إي كابيتل» من لائحة «أكبر من ان تفلس».

والتقارير المعادية لدود - فرانك الصادرة عن إدارة ترامب لا تغير القانون ولا القيود الناظمة. ولكنها توجه رسالة الى وول ستريت مفادها ان الإدراة الأميركية تعارض الإشراف الفيديرالي وضوابطه الناظمة. وعيَّن دونالد ترامب شخصيات في الأجهزة المالية الناظمة تؤيد وول ستريت. وهذه المواقف تطمئن المؤسسات المالية وتوحي لها بقبول الإدارة الأميركية استئنافها تحالفاتها، وعودتها الى سابق عهدها: شبكة علاقات كبيرة تنسج من طريق الإقراض والتسليف والمشتقات المالية وغيرها من المعاملات المالية التي تنشر الخطر وتفاقمه في النظام المالي، في وقت تغض الأجهزة الناظمة النظر. وكلما تعاظم الخطر، تعاظمت عوائد مديري المصارف وعملائها. ولكن زيادة الخطر تفاقم الخطر الاقتصادي وتهدد بتقليص فرص العمل، وإطاحة الرواتب والمدخرات وفرص العمل والقروض المنزلية.

ولا يخفى ان عجلة الكونغرس، والجمهوريون يهيمنون عليه، لا تدور، ويرجح أن تتعثر في إقرار تشريعات تقوض دود – فرانك. ولكن لا حاجة الى مثل هذه التشريعات في وقت تبادر الإدارة الأميركية الى تفكيك القواعد الناظمة وإضعافها.

 

 

* افتتاحية، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 8/9/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة