|   

النسخة: الورقية - دولي

قوبل فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية بالتهليل من وسائل الإعلام المصرية، واعتبرت أن علاقات البلدين ستشهد «طفرة» بعد إدارة باراك أوباما التي كانت على جفاء مع مصر. والواقع أن التطور الأخير في العلاقات والذي جاء صادماً للقاهرة حين وقع وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون قراراً أبلغه إلى نظيره المصري سامح شكري، يقضي بتجميد 195 مليون دولار كانت مخصصة لمساعدة مصر في حربها على الإرهاب وحرمانها من مساعدات قيمتها 97 مليون دولار.

هذا القرار هو حلقة في سلسلة من مواقف إدارة ترامب التي تناقضت ليس فقط مع التوقعات المصرية بل مع ما أعلنه ترامب خلال استقباله الرئيس عبد الفتاح السيسي فى البيت الأبيض: «إن مصر ستشهد دعماً غير مسبوق»، ما شجَّع الوفود الإعلامية المصاحبة للرئيس السيسي على توقع أن الزيارة ستنتج عنها زيادة في حجم المساعدات الأميركية لمصر. غير أنه بعد أسابيع قدَّم ترامب مشروع ميزانيته عن عام 2017- 2018 وتضمَّن خفضاً للمساعدات الخارجية الأميركية، وكان هذا يعني بالنسبة إلى مصر خفض المساعدات الاقتصادية لها بنسبة 29 في المئة.

ويستوقف النظر أن الناطق باسم البيت الأبيض حرص على أن يصرح ليلة الإعلان عن الميزانية الجديدة بأن الخفض لن يسري على إسرائيل. أما التوقع المصري الثاني، فكان أن الإدارة الأميركية ستعلن جماعة الإخوان جماعة إرهابية, غير أن الوفد البرلماني المصري الذي زار الكونغرس أخيراً استمع إلى ما مفاده أن هذا غير ممكن وفي الاعتبار أن مصالح واشنطن مع بعض الدول العربية سوف تتضرر؛ لأن الإخوان يشاركون في حكوماتها.

أما التوقع الثالث الذي يتصل في شكل وثيق بالخفض الأخير للمساعدات، فهو أن إدارة ترامب لن تهتم بقضية حقوق الإنسان والحريات، لأن أولويتها هي محاربة الإرهاب. ويلاحظ أن التقرير السنوي الذي تقدمه وزارة الخارجية الأميركية للكونغرس عن حالة حقوق الإنسان في العالم جاء مطابقاً في ما يتعلق بمصر، مع آخر تقرير لإدارة أوباما. أما التفسير الذي قدم لقرار تجميد وخفض المساعدات الأخير، فهو حالة حقوق الإنسان في مصر وتشريعات أخيرة تزيد القيود على الإعلام وتقيد نشاط منظمات المجتمع المدني.

وعلى رغم أن الإعلان عن القرار جاء من وزير الخارجية، إلا أنه من الواضح أنه كان استجابة لما طالبت به مجموعة من أعضاء الكونغرس عقب صدور قانون الجمعيات الأهلية في مصر بربط المساعدات الأميركية بتقدم وضع حقوق الإنسان والحريات المدنية. في سياق مواقف الإدارة المناقضة لوعود ترامب والتوقعات المصرية كانت الرسالة التحذيرية التي صدرت عن وزارة الخارجية الأميركية في آب (أغسطس) الماضي تحذر الأميركيين من السفر إلى مصر لتوقع أحداث إرهابية، على رغم ما هو معروف عن أن مصر في ظل ضائقتها الإقتصادية الراهنة هي أحوج ما تكون للتدفقات السياحية، الأمر الذي دفع وزارة الخارجية المصرية إلى إصدار بيان تعرب فيه عن استيائها من هذا الإجراء، وأن يستدعى مجلس النواب (البرلمان) المصري القائم بالأعمال الأميركي للإعراب عن استنكاره لهذا التحذير. ويجعلنا هذا نتذكر موقفاً مناقضاً من إدارة أوباما وهي على وشك الرحيل ومع اقتراب أعياد رأس السنة أصدر جون كيري وزير الخارجية تحذيراً للأميركيين بعدم السفر إلى العواصم الأوروبية لتوقع هجمات إرهابية بينما دعاهم إلى زيارة مصر إذ إنها «آمنة». من المفارقات أن أجهزة الإعلام المصرية التي كانت تهلل لقدوم ترامب عادت بعد هذه السلسلة من المواقف - وحتى قبل القرار الأخير – تدعو إلى وقفة مع إدارة ترامب، وإلى أن تعيد مصر ترتيب علاقاتها معها، بل إن البعض دعا إلى أن «تتعلم» مصر من تكتيكات كوريا الشمالية في تعاملها مع إدارة ترامب.

على أي حال وعلى رغم الإحباطات المصرية من إدارة ترامب، إلا أنها لا تخلو من معنيين إيجابيين: الأول هو صحة اختيار مصر توسيع وتنويع علاقاتها الدولية حتى لا تصبح رهينة لقوة واحدة. أما المعنى الثاني، فهو أن مواقف إدارة ترامب جاءت لكي تؤكد حقيقة معروفة وهي أن مصالح الأمم لا تقررها مجاملات أو تصريحات ارتجالية من الرؤساء، بخاصة إذا كانت من دولة لا ينفرد فيها الرئيس بالقرار، وإنما يشاركه فيها مؤسسات وشخصيات قد يكون لهم رأي آخر. وهي التجربة ذاتها التي مرَّ بها العالم العربي والإسلامي مع باراك أوباما مع بداية عهده وخطابه الشهير في القاهرة في أيار (مايو) 2009 ووعده بصفحة جديدة مع العالم العربي والإسلامي ومبادرته حول القضية الفلسطينية، وهي الوعود والمبادرات التي أحبطتها اعتبارات السياسة الداخليه الأميركية المعقدة.

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة