|   

النسخة: الورقية - دولي

قضية رضا ضراب، رجل الأعمال التركي– الإيراني، شأن غيرها من القضايا في تركيا هي مؤشر إلى ظاهرة أوسع: انبعاث الجريمة المنظمة. ففي العقد الأخير، توسعت التجارة غير المشروعة والتهريب توسعاً ضخماً. ويعود شطر من هذه الظاهرة الى اندلاع الحرب الأهلية السورية في 2011 وتدهور الشؤون الداخلية العراقية اثر بروز «داعش» في 2014. وساهمت الاضطرابات هذه في انفجار التهريب على طول الحدود الجنوبية. وعلى سبيل المثل، نصب ابرز جهاز لمكافحة تجارة المخدرات، إدارة مكافحة التهريب والجريمة المنظمة، حوالى 800 مكمن في قضايا تهريب النفط في 2009، ولكن عدد مثل هذه العمليات في 2014، ارتفع الى نحو 5 آلاف عملية. وفي 2014، أكثر من 8000 شخص دخلوا السجن بتهمة تهريب الهيرويين. وهذه الزيادة هي ضعفا أرقام 2009، وخمسة أضعاف ما كانت عليه في 2001.

وبروز الصناعات غير المشروعة في تركيا وثيق الصلة بأردوغان وإدارته. فالحكومة هذه أخفقت في جبه هذه التحديات، والتزم المسؤولون الحكوميون الصمت إزاء ارتفاع نسبة التهريب. وقاومت أنقرة طويلاً الدعوات الدولية إلى غلق حدودها مع سورية، على رغم تدفق مقاتلين أجانب من الأراضي التركية إلى سورية. ولم تبدأ أنقرة بتشييد جدار على طول الحدود مع سورية، إلا في آب (أغسطس) 2016، اثر الاجتياح التركي. ونزولاً على الضغط الدولي إثر تقارير عن ارتفاع نسبة تهريب النفط بين تركيا والأراضي الواقعة في أيدي داعش، صادرت السلطات التركية 100 طن من النفط المهرب في آذار (مارس) المنصرم، وأوقفت عدداً من المهربين.

ويبدو أن الحكومة التركية ضالعة مباشرة في النشاطات الجرمية. والمؤشرات البائنة الى الضلوع هذا برزت في 2013، اثر توقيف المدعين الأتراك ضراب وأبناء 4 نواب من الحزب الحاكم بتهمة تبييض الأموال والرشاوى والتهرب من العقوبات. وعلى رغم استقالة عدد من نواب «العدالة والتنمية» اثر التحقيق، شن أردوغان حملة ضد إدارة مكافحة التهريب والجريمة المنظمة، واتهمها وغيرها من الأجهزة بتنظيم «انقلاب قضائي». وفي كانون الثاني (يناير) 2014، اثر تسلمه الرئاسة، طُرد آلاف من الضباط والموظفين في الوزارة هذه أو نقلوا الى مناصب أخرى. وبعد شهر، أُطلق سراح ضراب، وأغلقت قضيته. وفي نيسان (أبريل) 2015، ألغت الحكومة التركية عتبة المبلغ الذي يسمح للمسافرين بحمله الى البلاد لتشجيع الاستثمارات الخارجية. ولكن هذه الخطوة أقلقت المراقبين الدوليين الذين لطالما دعوا تركيا الى تعزيز قوانين مكافحة تبييض الأموال.

وفي آذار2016، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تقريراً تناول التزام المسؤولين الأتراك معايير الشفافية ونجاعة إجراءتهم في الإشراف على القطاع المالي، وخلص التقرير إلى أن أواليات مكافحة التبييض التركية «ضعيفة وتفتقر إلى أدوات وخبرات المكافحة على أمثل وجه». وقبل شهر من صدور التقرير هذا، باشر المدعون الإيطاليون تحقيقات حول بلال ابن أردوغان البكر، ودارت التهم على ضلوعه في تبييض الأموال. وعلى رغم إسقاط التهم وطي التحقيق، تتردد في مصاعب بلال القانونية أصداء التهم القضائية التي وجهت إلى شركاء والده في 2013. وأغضبت هذه الحوادث الأتراك، ولكن محاولة الانقلاب في 15 تموز (يوليو) 2015 وعمليات «التطهير» والاعتقالات التي أعقبتها، ساهمت في إخماد الغضب هذا. واتهام أردوغان فتح الله غولن بأداء دور راجح في محاولة الانقلاب، قوّض صدقية تهم الفساد والرشاوى الصادرة في 2013 في عين الأتراك ووسائل الإعلام. وزعم الحكومة أن إدارة مكافحة التهريب والجريمة متواطئة في الانقلاب حمل الأتراك على حسبان أن موظفي غولن وراء التحقيقات الأخرى لتقويض الحكومة التركية. وعليه، في 2014، أسقط قاضٍ تركي حكماً على زعيم مافياوي بارز، سيدات بيكير، الذي صار يدور في فلك أردوغان. ونشرت صحف يومية مؤيدة للحكومة صور أردوغان وهو يعانق بيكير في حفل زفاف عضو بارز في «العدالة والتنمية». وهذه الحوادث هي وراء انطباع سائد: تركيا تتحول إلى دولة مافيا. وتشير إحصاءات إدارة مكافحة التهريب والجريمة، بعد طرد أردوغان واعتقاله آلافاً من موظفيها، إلى أن 78 في المئة من الموقوفين بتهم الفساد ينتمون إلى «تنظيم غولن الإرهابي»، وإحصاءات 2016 تشير إلى أن نسبة التحقيقات في الجرائم المنظمة التقليدية تراجعت تراجعاً كبيراً.

وإلى وقت قريب، كانت تركيا شريكاً يعتد به في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. ولم تعد هذه حالها اليوم. وفي سياق الخلافات العميقة حول الخيارات في سورية، يبدو أن العلاقات الأميركية– التركية في أدنى مستوياتها منذ عقود. وقد يتعذّر ردم الهوة بين أنقرة وبين واشنطن أو بروكسيل. لذا، حريٌّ بصناع القرار الغربيين احتساب هذه الوقائع وإعداد سياسات تتماشى معها عوض انتظار تعاون مستقبلي والتعويل عليه. وتبرز الحاجة إلى التزام إستراتيجيات تحمي أميركا وحلفاءها من أخطار قد تنجم عن تفاقم فساد الدولة التركية.

 

 

* أستاذ مساعد في كلية شؤون الأمن القومي في المدرسة البحرية العليا في مونتيمري كاليفورنيا، صاحب «سقوط السلطنة: الحرب الكبرى ونهاية الإمبراطورية العثمانية»،عن «فورين أفيرز» الأميركية، 30/11/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة