|   

النسخة: الورقية - دولي

دخل المصلون لصلاة الجمعة، جلسوا في أماكنهم في انتظار الخطبة، هذا يُسبّح، وآخر يذكر، وثالث يصلي على رسول الله، وهذا يقرأ القرآن، وفي طرف المسجد أطفال جاؤوا مبكرين يتحدثون ويضحكون بهدوء وصوت منخفض فقد أحبوا المسجد للقاء بعضهم بعضاً.

في ناحية من المسجد جلس أب مع أبنائه، هذا يصر على الجلوس على قدمي أبيه وآخر يتكئ عليه والأكبر يجلس إلى جوار أبيه وأشقائه في وقار يتسق مع عمره. صعد الخطيب المنبر، ذكرهم بالعودة للمساجد فهي بيوت الله ففيها السكينة والأمن والطمأنينة. ذكرهم الخطيب وهو في قمة الانفعال بقوله تعالى عن المسجد الحرام: «وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًاً». قال لهم: «لا تظنوا أن هذه الآية خاصة بالمسجد الحرام دون غيره، فلكل مسجد حظ ونصيب من هذه الآية»، ثم أردف قائلاً: «إنه أمر في صورة الخبر معناه أمنوا من دخل البيت الحرام وكل المساجد».

بينما كان الخطيب يشرح معنى الآية دوى انفجار مع طلقات رصاص داخل وخارج المسجد، سقط الخطيب من على المنبر مضرجا بدمائه، لم يسأل عنه أحد، فالكل مشغول بمصيبته ونفسه وأولاده، تدافع المصلون لا يدرون إلى أين وكيف يتصرفون فقد ألجمتهم المفاجأة، دارت مئات الأسئلة في لحظات عابرة في عقل كل منهم، تلخصت في سؤال واحد: كيف ولماذا يحدث هذا؟!

اخترق الرصاص الأجساد النحيلة. تدافع المصلون نحو الباب، فحصدهم رصـــاص الدواعــش. لم يعلموا أن قلوبهم القاسية المتحجرة تقف دون نجاتهم بالمرصاد وتطرب لأنينهم. دهس بعض المصلين بعضاً، مات بعض الأطفال من الرصاص وتناثرت أشلاؤهم، ومات بعضهم من سير الناس فوق أجسادهم التي تساقطت بين جموع الناس. تاه الأولاد عن آبائهم. ظل الجميع يصرخ، والبعض يتأوه من الجراح. ذهبوا إلى المسجد آمنين مطمئنين فإذا بهم يخرجون منهم جثثاً وأشلاء، ذهبوا إليه أسراً شبه كاملة فإذا بمعظم هذه الأسر تتمزق ما بين قتيل وجريح وأرملة وثكلى ويتيم. عشرات الأسر السيناوية فقد كل منها اثنين أو ثلاثة من أفرادها، وبعضهم فقد أربعة رجال. لم يرحم الطغاة الجبناء الأطفال من المجزرة الخسيسة. الخوارج القدامى قساة القلب الذي لم يجاوز القرآن حناجرهم كانوا أكثر رجولة ورفقاً من هؤلاء.

الكل في ذهول: ما الذي حصل، هل نحن في حرب أم في صلاة؟ هل دخلت إسرائيل البلاد من دون أن ندري؟ انقلبت السكينة إلى فزع، والحياة إلى موت. أخيراً، اتضح للجميع أنها ليست أهوال يوم القيامة، ولكنها أهوال المتفجرات العمياء والرصاص الداعشي الأعمى الذي يحمل الحقد والذي يسكت الحياة والأحياء ويزرع الخوف والرعب في كل مكان.

ما هذا؟ بيت الله في الأرض، أكرم البيوت وأعظمها، يحدث فيه ما يناقض قوله تعالى: «رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ». يُقتلون غدراً وخيانة في بلد جاء عنه في القرآن «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين».

 

 

* كاتب مصري.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة