|   

النسخة: الورقية - سعودي

تؤدي العمليات الروتينية غير المُنتجة والبيروقراطية المؤسسية و«البيروقراطية الإدارية» إلى قتل الطموح واستنزاف طاقة عدد كبير من الموظفين، الأمر الذي يسهم في إضعاف معنوياتهم وهدر الوقت في الشركات التي تحتاج إلى ضرورة الالتزام التام والطاقة الكاملة من جميع موظفيها.

فبعد مضي عام على عملهم في الشركة، كم من الموظفين لا يزال لديهم الحماس والطاقة ذاتهما اللذان كانا لديهم في اليوم الأول من توليهم وظائفهم؟ وكم من الموظفين لا يزالون يعتقدون أن بإمكانهم إحداث فرق في العمل، وأن يشكلوا إضافة للشركة؟

لا شك أن الحماس الذي يرافق الموظفين عند توليهم وظائف جديدة سيزول مع مرور الوقت، لكن مع ذلك يستطيع الموظفون المحافظة على نشاطهم في حال قامت الشركات بعلاج الأسباب الحقيقية لتراجع الأداء المؤسسي، أي التعامل بشكل مسؤول مع الممارسات والإجراءات التي تهدر الوقت وتحد من الإنتاجية، وليس معالجة الأعراض فقط، فالأعراض قد تبدو مشاكل بسيطة يمكن حلها من دون بذل الكثير من الجهد والقيام بالعمليات والاجتماعات التي لا معنى لها، وإهدار الوقت على عمل لن يهتم به أحد، إلا أن هذه الأعراض تنبع من مشاكل أساسية، فالشركات تقع في مشاكل، وتهدر وقت ومواهب وطاقة قواها العاملة عندما تفقد التركيز، وتنفق الأموال على الأشياء التي لا تحدث فرقاً بالنسبة للموظفين أو مستقبل الأعمال، وتتبع أساليب عمل ونماذج تشغيلية غير ملائمة.

ومن خلال معالجة الأسباب الجذرية لتراجع الأداء المؤسسي، يمكن للشركات التخلص من الأعمال غير الضرورية، وإعادة النشاط للموظفين، وفي الوقت نفسه، تضع أعمالها على مسار أفضل، بحيث يمكنها القيام بذلك من خلال اتباع الأمور الثلاثة التالية: إعادة التركيز على الأولويات الاستراتيجية، وإعادة ضبط الموازنات، وإعادة تصميم النموذج التشغيلي. ويمكن من خلال تنفيذ هذه الخطوات معاً التخلص من حالة الفوضى والتشتيت التي تتسبب في تراجع الأداء المؤسسي.

إعادة التركيز على الأولويات الاستراتيجية

تتمثل الخطوة الأولى في إعادة تركيز المؤسسة اهتمامها بوحدات الأعمال الأكثر أهمية، وقطاعات العملاء والمناطق الجغرافية التي يمكن للشركة فيها تطبيق صيغة نمو قابلة للتكرار، والقدرة على الانخراط في الأسواق التنافسية. فضمن وحدات العمل، ينبغي على المديرين التنفيذيين التخلص من أي أصول غير مربحة، ومن خلال إلقاء نظرة عن قرب، ستجدون أن معظم الشركات قامت بتوسيع علاماتها التجارية ومحافظ منتجاتها لتصل إلى العملاء والأسواق التي لا تحقق فيها ميزة تنافسية عن غيرها ولا تحقق فيها الأرباح المطلوبة، ومن شأن هذه العمليات أن تؤدي إلى مزيد من التعقيد، ما يسهم في تراجع الأداء المؤسسي وزيادة التكاليف، الأمر الذي يفقد الشركات أفكاراً أفضل وربما أكثر ربحية.

فعلى سبيل المثال، تتنافس شركات الأدوية الكبرى في العديد من فئات المنتجات الدوائية، إلا أن ذلك قد يؤدي إلى خفض في عوائد المساهمين، إذ وجدت دراسة تحليلية أجرتها شركة «بين آند كومباني» أخيراً أن أكبر منشئي القيمة في قطاع الأدوية هي الشركات الرائدة في فئات المنتجات الدوائية، وأن الشركات التي تجمع بين الريادة في فئة المنتجات التي توفرها وامتلاك محفظة تركز على فئة هذه المنتجات، توفر عوائد سنوية إجمالية للمساهمين أكثر مرتين من الشركات التي تركز على منتجات متنوعة. ولهذا السبب نجد أن هناك عدداً متزايداً من شركات الأدوية التي تقوم بعمليات بيع أو فصل مؤسسي لأقسام من أعمالها، مثل قيام شركة «نوفارتيس» ببيع قسم عقارات الأنفلونزا لشركة «سي. أس. أل»؛ وقيام شركة «بريستول- مايرز سكويب» ببيع قسم أدوية السكري لشركة «أسترازينيكا»؛ وقيام شركة «بيوجن» بعملية فصل مؤسسي لقسم علاج مرض الناعور. وتعتبر عمليات الحد من تراجع الأداء المؤسسي إجراءً إدارياً شجاعاً. ومع أنه من المرجح أن تعاني الشركة من بطء النمو خلال المرحلة الانتقالية، إلا أن النتيجة النهائية ستكون محفظة أعمال أكثر ربحية تركز على النمو. وغالباً ما تستخدم الشركات عمليات الفصل المؤسسي من أجل التخلص من الأقسام بطيئة النمو أو الأقل ربحية أو الأقل ملاءمة لاستراتيجية أعمالها، ولكن في حال لم تقم الشركات أيضاً بمعالجة العوامل الأساسية التي أوصلتها إلى هذه المرحلة، فإن أداءها سيكون دون التوقعات على المستويين الداخلي والخارجي.

إعادة ضبط الموازنات

يمكن أن تسهم كيفية تمويل الشركات برامجها ومشاريعها في تراجع الأداء المؤسسي، وذلك عن طريق الاحتفاظ بالأعمال غير الضرورية، إلا أنه ليس من السهل اتخاذ القرارات الصعبة بخصوص وقف التمويل.

ونحن ننصح بتبني الموازنات القائمة على أساس التعادل، ووضع الخطط اللازمة لجعل الخيارات أكثر وضوحاً في هذا الإطار، إذ إن من شأن ذلك أيضاً أن يساعد في التغلب على المعضلة التي تواجهها الشركات عادة خلال قيامها بحذف بنود من الموازنة، فهل ينبغي على الشركات التخلص من الأعمال ومن ثم خفض الموازنات التي تسببت بهذه التكاليف، أم يجب عليها تقليص الموازنات لاستبعاد الأعمال غير الضرورية؟ وفي حين أن الطريقة السابقة هي الأكثر ملاءمة من منظور إدارة التغيير، إلا أننا عادة ما نجد أنها تؤدي إلى إحداث تغيير تدريجي فقط، وهذا هو السبب في تفضيل طريقة الموازنة القائمة على أساس التعادل. وتتحدى عملية الموازنة القائمة على أساس التعادل والتي تستخدم أهدافاً ممتدة، التفكير التقليدي، كما أنها تتيح أفكاراً أكثر جرأة، فالشركات التي لديها بعد نظر ستقوم بإجراء هذا التغيير قبل نظيراتها في السوق أو قبل أن يطالب المستثمرون بهذا التغيير. وكمثال بسيط، قبل أن تستخدم شركة الاستثمار «ثري جي كابيتال» نظام الموازنة القائمة على أساس التعادل لتوضيح الأدوار والأهداف وتوحيد العمليات في شركة «كرافت هاينز»، أفاد أحد المديرين بأنه كان يعاني كثيراً في ما يتعلق بمواكبة تدفق البريد الإلكتروني الذي قد يصل إلى 300 رسالة إلكترونية والعديد من الاجتماعات غير المنتجة في اليوم. أما الآن، فيجمع صندوقه البريدي أقل من 40 رسالة إلكترونية يومية، كما أصبحت الاجتماعات أكثر تركيزاً وكفاءة، ويمكن للموازنة القائمة على أساس التعادل أن تعيد ضبط هيكلية التكاليف، وكذلك عدم المساس بالكلفة مع مرور الوقت.

إعادة تصميم النموذج التشغيلي

بعد تبسيط المحفظة وإعادة ضبط الموازنات، من المهم إعادة تصميم النموذج التشغيلي، أي الطريقة التي تعمل بها الشركة لتنفيذ استراتيجيتها، بغية التخلص من أي عمل غير ضروري أو عمليات غير منتظمة تعمل على تعطيل الأمور، وهنا يمكننا أن نسأل، كيف يمكن لهذا النشاط أن يساعد عملاءنا بشكل أفضل؟ في الحقيقة يمكن للشركات البحث عن التعقيدات وأوجه القصور التي غالباً ما تكون في ثنايا العمليات المؤسسية، سواء في الأنشطة متعددة الوظائف أم الجغرافيا أم وحدات الأعمال، بحيث لا يوجد لدى أي مدير تنفيذي أو فريق عمل درجة واحدة من المسؤولية. وهناك في كل مؤسسة أوجه قصور، وهذه هي المجالات التي يمكن فيها إجراء التحسينات وإعادة التصميم. وحيثما توجد أوجه قصور في العمليات الجاري تنفيذها، يجب على الشركات النظر في عمليات التوسع أو اتباع النهج المركزي أو الاستعانة بمصادر خارجية.

ولأن المؤسسات تقوم بتنفيذ عمليات رسمية وغير رسمية، ينبغي على المديرين التنفيذيين البحث عن التعقيدات والهدر في كلا المجالين. فالعمليات والنظم الرسمية تحافظ على أساليب العمل، ومن السهل التعامل معها بشكل منهجي، لكن العوامل المخفية وغير الرسمية التي تتسبب بتراجع الأداء المؤسسي فيتم التغاضي عنها، حيث غالباً ما تكون هذه العوامل سلوكية الطابع، مثل كيفية اتخاذ الفريق الإداري القرارات على سبيل المثال. ولنأخذ كمثال عملية التحول الرائعة في شركة «فورد»، ففي 2006 وضع الرئيس التنفيذي للشركة آلان مولالي وفريق عمله من كبار المسؤولين مساراً استراتيجياً جديداً، وقاموا بتطوير النموذج التشغيلي للشركة، إذ انتقلت الشركة من التركيز على وحدات الأعمال الإقليمية إلى تبني نموذج وظيفي عالمي المنحى، ما مهد الطريق لعمليات أكثر كفاءة وفعالية، مثل تقليل عدد منصات السيارات. كما طرأ تغيير على العملية الإدارية والسلوكيات أيضاً، حيث حث مولالي على النقاش المفتوح والنزاهة في ما يتعلق بأماكن ظهور المشاكل، كما قام بتشجيع فريقه على تبسيط الطرق التي يعملون بها، والتخلص من الاجتماعات غير الفعالة، وتوفير آلاف الساعات غير المنتجة، وبفضل تبنيها استراتيجية جديدة وإعادة تصميم نموذجها التشغيلي، عادت شركة فورد إلى تحقيق الأرباح من دون مساعدة من دافعي الضرائب الأميركيين. ويمكن بعد اتباع هذه الخطوات الثلاث، الارتقاء بأداء الشركات، من خلال خلق بيئة تعمل على تحويل طاقات الموظفين وإبداعاتهم إلى مزيد من الإنتاجية، بحيث يمكن لذلك أن يساعد في تحرير النقد ورأس المال لتمويل فرص نمو جديدة ومكافأة المواهب، والوصول إلى مستويات جديدة من الأداء المؤسسي، إذ سيجد الموظفون العاملون في هذه البيئة الناجحة أن روح الموظف الجديد يمكن أن تستمر وأن عملهم يغذي طاقاتهم الفردية بدلاً من تدميرها.

 

 

* شريك في بين آند كومباني الشرق الأوسط.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة