|   

النسخة: الورقية - دولي

يتّحد البشر عند الخير المشترك وعند الخطر المشترك. يظهر ذلك جلياً في القرى المطلة على أنهار على مدار التاريخ، حيث يتعاون الجميع مع مَن يحل عليه الدور في الري حتى تأتي أدوارهم من بعده، ويصدّون خطر الفيضان الجامح ويحاولون ترويضه وتقليل خسائره إذا جاء مدمراً.

وإذا طبقنا ذلك على المشهد الفلسطيني والعربي الراهن، سنجد أن هناك مستجدات، بل وخللاً يستوجب رصده وتصويبه في أسرع وقت. فالرئيس الأميركي أعلن حتى قبيل تولّيه منصبه منذ 13 شهراً تقريباً، أن بإمكانه حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني خلال ستة أشهر، ثم أعلن مراراً أنه ينوي إبرام صفقة القرن في الشرق الأوسط. العرب والفلسطينيون بخاصة، تعاملوا بتوجّس مع تلك الأنباء – وهم محقون - فهل يكفي التوجس والقلق من صفقة تشير دلائل كثيرة إلى أنها ستكون إقليمية، ولن تتردد الإدارة الأميركية في السعي الى فرضها وليس طرحها فقط لتلقى مصير المبادرة الفرنسية مثلاً؟ هل استوعبنا دروساً مستفادة عبر التاريخ من عوامل أدّت إلى توحيد ألمانيا وأخرى أدت إلى تقسيم الهند؟ هل يكفي التوجس للتعامل مع الحدث؟ وهل إيقاع استعداداتنا لتلك الصفقة وتداعياتها على المستوى المطلوب، أم أن الأمر سيقتصر على «لطمة» جديدة، تتحول بعد فترة وجيزة إلى مرثية سرمدية لمزيد من الحقوق المغتصبة؟

الحديث موجّه في الأساس إلى الفلسطينيين أنفسهم. فواشنطن لا تتورع عن مواجهة مجلس الأمن الدولي حتى تمرر ما ترى أنه يخدم مصالحها، ولن يكون كافياً الارتكان إلى قوى عربية كبرى لإنقاذ الموقف ورفض الإرادة الأميركية، لأن القوى العربية الكبرى تعاني من انكفاء لسنوات على أزمات داخلية كبرى وخطيرة، ومحاولات اختراق مستمرة، ومؤامرات وتشويه لا ينتهي.

في المقابل، صرّح أبو مازن بأن «علينا الصبر على المصالحة»، وتلى ذلك حضور عزام الأحمد إلى القاهرة لجولة «جديدة» من المحادثات من أجل إنهاء الانقسام، وهو في الواقع مفتاح حل لتغيير المشهد وتغيير موازين القوى. ويجدر بي أن أشير هنا إلى نقاط محددة: أولاً، الانقسام الذي تجاوز عشرية حزينة في مسيرة النضال الفلسطينية ضد الاحتلال يمكن تجاوزه، حتى ولو صدرت عشرات القوانين وتكرست أوضاع في الضفة مختلفة عن القوانين والأوضاع في غزة، فقد تجاوزت الجزائر عشرية أصعب وأخطر، ونشهد في الآونة الأخيرة تقارباً ملموساً بين الكوريتين بعد عقود من الحروب والمواجهات المريرة. ثانياً، قد يُفهَم من تصريح الرئيس الفلسطيني في شأن الصبر على المصالحة بأنه ليس في عجلة من أمره، وأن المصالحة هي جزء من كل، وبالتالي لن يتم منح وضع النقاط على الحروف في ملفات أساسية متعلقة بها مثل مرتبات الموظفين، والسلاح في غزة، أولوية في الفترة المقبلة. أو أن حسم هذا الملف المخزي لا يزال بعيد المنال، وسيقتصر على «زيارات» لغزة ومنها إلى الضفة، واستجابات لاجتماعات برعاية مصرية لمزيد من التشاور والتفاوض وطرح الرؤى. ثالثاً، كان من بين أهداف الإدارة الأميركية حين أعلنت على لسان الرئيس دونالد ترامب عن نقل سفارتها إلى القدس، قياس رد الفعل الفلسطيني والعربي والإسلامي بالطبع، وبالتالي تعيد حساب موازين قبل طرح صفقة القرن. وتبيّن لكل مراقب أن الغضبة كانت واضحة ومستمرة حتى الآن، لكنها لم توحد الصف الفلسطيني. رابعاً، يمكن التكهن في إطار مؤشرات كثيرة بعدوان عسكري قريب على أهداف للمقاومة اللبنانية والفلسطينية لقياس مستجدات التسليح والقدرة على الصمود والردع. خامساً، يجب أن نضع في الاعتبار في الأحوال كافة أن تأثير الضغط بورقة رفض العالم العربي والإسلامي ودول من الدائرة الأفريقية ودول أميركا اللاتينية للتطبيع مع إسرائيل سيتقلص. فالرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه طالب مراراً بزيارة السجين، لأن ذلك لن يعد زيارة للسجّان. وهناك اتصالات وشبكات مصالح تتشكل منذ سنوات عدة في هذا الاتجاه.

الخطر الداهم إذاً بات قريباً، وإذا لم يتم منح إنهاء الانقسام أولوية سنذهب إلى الكارثة مهلهلي الثياب متخلّين طوعاً عن «مبدأ الأرض مقابل السلام»، الذي طالما تمّ التفاوض تحت مظلته بين إسرائيل والعرب، لأن الردع الفلسطيني، حتى الإعلامي والبحثي والقانوني والاقتصادي منه، سيكون موجهاً في المقام الأول لمواجهة المعسكر الآخر أو بالأحرى المعسكرين الآخرين داخل البيت الفلسطيني. الحل معروف، طرحَه خبراء وبصياغات مختلفة، ويتمثل في التجرد والاستقرار على برنامج عمل سياسي معلن ومتفق عليه بين مختلف القوى الفلسطينية من دون إقصاء، يليه الاستقرار على حكومة تكنوقراط موقتة وانتخابات. وينبغي أن تستثمر هذه الرؤية الخطوات العملية على الأرض التي قامت بها مصر، ووجود عقلاء يمكنهم تقريب وجهات النظر حين يحتاج الأمر إلى تدخل وحسم.

بإنهاء الاتفاق على برنامج عمل سياسي واضح للقوى الفلسطينية، يكون الشارع الفلسطيني والعالم أيضاً قد عرف ماذا يريد الفلسطينيون، متى سيقاومون ومتى سيتفاوضون، وما هو سقفهم. وهنا فقط يمكن الحديث عن دعم عربي وإسلامي أكبر، وعن شريك جديد في مسيرة السلام، ربما يتمثل في إحياء دور الرباعية الدولية. أو آلية تعامل فاعلة إزاء عقبة شرط إجماع الدول الأعضاء الثماني والعشرين لصدور قرارات داعمة للدولة الفلسطينية ولعاصمتها القدس الشرقية، نظراً الى موقف هنغاريا ومعها دولة أخرى فقط. بديل أو من دون هذا، لن ينتفض العالم المنصف لنجدة الفلسطينيين من صفقة القرن حتى لو تحولت في النهاية إلى صفعة، بل سيجدون مبرراً للضغط على الفلسطينيين لقبول تنازلات مؤلمة مقابل الحصول على المنطقة «إيه»، و»بي»، وجزء من «سي» في الضفة الغربية، وميناء أو جزيرة اصطناعية أمام ساحل غزة. ويعود الجميع الى الصراخ والتهديد الأجوف لفترة وجيزة تعقبه متابعة لمذابح وفتن لا تقل خطورة في دول عربية تعاني في شكل يومي من نزيف دماء.

والخلاصة هي أنه ينبغي أن نكون على اقتناع بأن «ما لم يتحقق بالصبر لن يتحقق بمزيد من الصبر»، وبالتالي تحتاج المصالحة الى إيقاع أسرع وتجرد أكبر وإعلاء للصالح العام أطهر، ومن ثم يمكننا أن نستقبل صفقة القرن وما سيواكبها من ضغوط غير مسبوقة في شكل يتجاوز الصراخ والعويل واللطم.

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة