|   

النسخة: الورقية - دولي

يحمل ذعر المحللين الأميركيين والصينيين، حين سماعهم خبر اللقاء المرتقب بين كيم جونغ - أون وترامب، على إدراك أن لعبة رهانات بدأت بين كوريا الشمالية وأميركا. وعلى رغم أن وزير الخارجية الأميركي يقول أن تنظيم اللقاء يقتضي أسابيع، يقر بأن تغيراً دراماتيكياً طرأ على الموقف الكوري الشمالي. والتنسيق محتمل بين سيول وواشنطن في افتتاح الألعاب ما بين الكوريتين. وعلى خلاف رأي البنتاغون، لم يلِن ترامب في التهديد بضربة مدمرة توجه الى كوريا الشمالية، وشدد العقوبات عليها وقرَّع الصين. وهمش تشدد ترامب دور مون جاي- إن، الرئيس الكوري الجنوبي، وهو «حمامة» سلام وليس من الصقور، وأصلاه نظيره الكوري الشمالي الازدراء، ولم يقبل اي اتصال به منذ انتخابه. ويتوقع أن يؤدي الرئيس الكوري الجنوبي دور ساعي البريد بين الطرفين في المفاوضات المقبلة. والى اليوم، الصين تقف موقف المتفرج. وهي لطالما دعت الى حوار أميركي – كوري شمالي مباشر، وكانت على ثقة بأنها الفيصل في مثل هذه المفاوضات. ولكن هذه الحسابات طويت.

فاليوم، يوجه دفة الأمور في أميركا وكوريا الشمالية شخصيتان غير تقليديتين وخارجتان على المألوف. وما يدور هو ضرب من اللعب المتعدد المستوى. فمن جهة، يتوسل ترامب بـ «فن إبرام الصفقات» الخاص به المستوحى من عالم الأعمال: فاقت صدقية تلويحه بضربة قاصمة الى كوريا الشمالية صدقية تهديدات أسلافه. وفي أيار (مايو) المنصرم، أعلن أنه مستعد للقاء كيم. وهذا ما أعلنه بيل كلينتون في نهاية ولايته، قبل أن تثنيه عن قراره معاملة وزيرة خارجيته، مادلين أولبرايت، معاملة مهينة في بيونغيانغ. ومن جهة أخرى، يحرك كيم جونغ- أون أوراقه: فهو بعد أن أعلن بلوغ التسلح النووي، رمى على الطاولة بورقة نزع السلاح النووي والصاروخي.

ولا شك في أن الأمور يلفها الغموض والشك. فأميركا تأخذ على كوريا الشمالية خداعها أكثر من مرة. وكما في الرهانات الكاذبة، كيم جونغ – أون مضطر الى المبالغة ليلفت الانتباه. وانعطاف الموقف الكوري الشمالي 180 درجة ناجم عن توازن الرعب: وهذا قد يحفز على التفاوض وحتى على نزع السلاح. واليوم، يتواجه منطقان: من جهة، منطق نظام لا يرى ضمانة لبقائه غير القوة، في الداخل والخارج، على حد سواء. وهذا النظام هو، في آن، تهديد وازن على جارته الجنوبية وعلى الولايات المتحدة. ومن جهة، منطق رفض الأميركيين ومجتمع خبراء الاستراتيجيا الصدوع بخطر كوري شمالي وجودي على أميركا. وفي مثل هذا السياق، الصدام بين البلدين لا مفر منه.

ولكن في لعبة المراهنات هذه، تراجعت بيونغيانغ قبل واشنطن. وعلى رغم أن كثيرين يعتبرون دونالد ترامب مجنوناً يلعب بالنار، لا يستخف به كيم جونغ – أون. وهو اقترح تعليق التجارب النووية والاختبارات الباليستية من دون أن تتخلى أميركا عن المناورات العسكرية في المنطقة. وهذا بعيد من «التجميد المزدوج» (تجميد المناورات الأميركية مقابل تجميد الاختبارات الكورية الشمالية) الذي كانت تدعو اليه بكين وموسكو. وجنى كيم جونغ –أون على الفور مكاسب سياسته. فهو صار في موقع الند مع أميركا- وهذه الندية هي أبرز أهداف برنامج نظامه النووي. وهو نجا من قبضة الصين التي تشتد على عنقه منذ ثلاث سنوات. فبكين اضطرّت الى تشديد العقوبات على بيونغيانغ. ولم يعد في وسعها حماية كوريا الشمالية حماية كاملة، فارتخت دالتها على القرارات الكورية الشمالية، وضعفت. وما نجم عن كباش ترامب- كيم جونغ أون ليس انفراجاً ولا تهدئة (للتصعيد). فالأمور تتفاقم، والرهانات تكبر. ويغامر ترامب بخسارة صدقيته إذا ثبت أن الانفتاح الكوري الشمالي خادع. ويجب أن يكون التحقق من نزع السلاح النووي الكوري الشمالي، على الفور. فأميركا لن تنتظر 8 أعوام للتأكد من نزع النووي، على ما فعلت إثر الاتفاق النووي في 1994. والتحقق من تدمير القذائف والصواريخ ونزع السلاح النووي في المتناول وأجدى من الانزلاق الى متاهة تجميد البرنامجين الصاروخي والذري. ولكن نزع السلاح النووي والباليسيتي هو صنو التخلي عن ورقة بيونغيانغ اليتيمة منذ 1991. ولم تعهد بيونغيانغ الثقة في أميركا أو غيرها. وهي تحتاج الى تنازلات ديبلوماسية ومادية ضخمة مقابل نزع السلاح، في وقت تغامر بخسارة الدعم الصيني القوي. وبكين كانت تخشى الحرب، ولكن السلام في شبه الجزيرة الكورية لا يخدم مصالحها. ولم يعد في مقدور ترامب وكيم- جون أون التراجع. فمصالح كل منهما، الشخصية والاستراتيجية، تقضي بإبرام اتفاق.

 

 

* خبير في شؤون شرق آسيا، عن «لوفيغارو» الفرنسية، 10/3/2018، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة