|   

النسخة: الورقية - دولي

نحاول اليوم نحن الأفراد والجماعات الصغيرة والهامشية والمحرومين من منافع التنمية والساعين إلى التأثير في السياسات المحيطة، كما تحاول أيضاً السلطات والشركات أن نأخذ مكاناً في الشبكة. نبيع خصوصياتنا لشبكات التواصل، ونجعل أنفسنا هدفاً إعلانياً مقابل إمكانية الدخول إلى هذه الشبكات وتقديم آرائنا وأفكارنا التي تتضمن تحدياً للشركات وتفكيكاً لنفوذ السلطات، ومواجهة للأسس الثقافية للحالة السياسية والاجتماعية القائمة، والتي على رغم هيمنتها وطغيانها صارت عجوزاً متعبة!

اليوم يمكن النظر إلى الفعل السياسي والاجتماعي بأنه «الاشتباك» أو كما يسميه جيرمي ريفكين «آكسس access»، ولا أعرف إن كانت كلمة الوصول أو التواصل تغطي الفكرة، لكن ربما يكون التشابك والاشتباك مفيداً في الفهم الجديد للعمل والتأثير بما هو المشاركة أو الانغماس في الشبكة، وفي الحالة التي تكون قادراً على الوصول إلى الشبكة، تصبح أيا كنت فرداً أو سلطة أو شركة جزءاً منها مسأوياً لأي نقطة اتصال أخرى مع الشبكة، سواء كانت النقطة الأخرى رئيساً أو ملكاً أو جامعة أو شركة عالمية أو جماعة أو حكومة، لكن هذا التساوي الصحيح نظرياً والمدهش لدرجة الصدمة، والذي يجعلك فور تلقي إشارة على جهازك الخليوي أو حاسوبك قادراً على الفعل الكامل بلا حدود (تقريباً) في الحصول على المعلومات والمعرفة وتقديمها من وإلى أي جهة أخرى في العالم، وبأي لغة، لا ينشئ بالضرورة أو تلقائياً تقدماً أو تأثيراً اقتصادياً واجتماعياً، فقد ظل «التشبيك» قوة وسلطة أخرى هائلة لم تفد كثيرا في إنجازها تلك الإتاحة الممكنة والبسيطة، لكن وبلا شك ثمة حالة تمرد عميقة وفوضوية في العالم اليوم، منحت الفرد شعوراً غير مسبوق بالقدرة على التأثير والاستقلال، بل ونقلت أهمية الفعل والتأثير السياسي والاجتماعي من أطره وأدواته الراسخة (كانت راسخة) مثل المجتمعات والمنظمات والأحزاب والمؤسسات إلى الفرد نفسه، لم تعد المنظمة أو المؤسسة الناجحة أو القوية هي العامل الوحيد أو الحاسم في التأثير، لكن «الذات الفاعلة» قادرة اليوم وبموارد قلية ومتاحة أن تكون على قدم المساواة في فرص المشاركة والتأثير مثل المؤسسات والجماعات والمنظمات الكبرى. ولا بأس بتكرار التأكيد على أن مفهوم «فوضى» يعني القواعد المنظمة المجهولة لنا أو الخارجة عن السيطرة.

مؤكد بالطبع أن السلطة باقية أو ما زالت باقية ومهيمنة، لكنها تتغير في معناها وأدواتها وعلاقاتها، فالمعرفة بما هي مركز التأثير والإنتاج اليوم تنشئ علاقات ومفاهيم جديدة ومتغيرة بالنسبة للسلطة والمجتمعات والأفراد والسيادة والحدود والتنظيم الاجتماعي والسياسي، بل والثقافة والقيم المنشئة للمعاني والعلاقات. لقد كان في مقدور السلطة بتنظيمها المهيمن على تدفق المعلومات وتداولها أن تحابي أو تستبعد الفاعلين الاجتماعيين، وأن تحيي وتميت وتعز من تشاء وتذل من تشاء، لكنها لم تعد تملك هذا القهر على نحو مطلق وقد تفقده بنسبة كبرى غالبة، لتكون العلاقة بين السلطة والأفراد والمجتمعات مستمدة من الثقة، ولم يعد أمام السلطة خيار في إدارة وتنظيم الشبكة سوى أن تلجأ إلى الإغراق والكثرة في المشاركة لتكون المواجهة بين قلة وأغلبية، وصرنا نستخدم اليوم مصطلح الجيوش الإلكترونية للإشارة إلى فرق المشاركين الذين يحشدون في الشبكة للتأثير والمواجهة والإشاعة والتأييد والإساءة. لكنها أيضاً ليست حاسمة، إذ يستطيع الفرد الفاعل والمتمرد وحده كشفها ومواجهتها أو أن ينشئ في مقابلها شبكات نشطة ومزعجة، الأحزاب والمواجهات والتيارات والأفكار والمصالح تتحول اليوم إلى «هاشتاق» والحروب والصراعات والجدالات تجري بين «الهاشتاقات»، وقد أثبت الفرد اليوم أن في مقدوره أن يحقق نبوءة أو حلم كثير من الأفلام الهوليودية حين يدخل فرد وحيداً (في الفيلم طبعاً) في مواجهة مع رئيس الولايات المتحدة أو المخابرات المركزية أو الشركات العظمى، وينتصر في النهاية الجميلة والمؤثرة وغير الواقعية، لكن يبدو أنها تملك اليوم أو غداً فرصة أن تكون واقعية!

 

 

* كاتب أردني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة