|   

النسخة: الورقية - دولي

يشهد النظام الاقتصادي العالمي تطوراً لدور الأقاليم التجارية، في ظل احتدام «حرب العملات» وإجراءات الرسوم التجارية المتبادلة، و «سياسة الحمائية»، وبروز الصراع بين الصين والولايات المتحدة على قيادة العالم اقتصادياً، مع ازدياد عدد الاتفاقات الإقليمية التي وضعت موضع التنفيذ والبالغ 253 اتفاقاً.

وعلى رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب غرد قائلاً إنه «ليس بصدد حرب تجارية مع الصين» في وقت أفصحت واشنطن عن فرض رسوم جمركية إضافية على منتجات صينية، وتهديد بكين برد قاس عبر استهداف القطاعات الثقيلة الوزن من وارداتها الأميركية، حتى أن وزارة التجارة الصينية بدأت بالفعل إجراءات أمام منظمة التجارة العالمية في شأن تحقيق بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأميركي، ودعا سفير الصين لدى المنظمة تشانغ شيانغ تشين الدول الأعضاء إلى «التعاون مع الصين في التصدي بحزم للحماية التجارية الأميركية».

وإذا كانت بكين تتهم أميركا بأنها تضيع الفرصة تلو الأخرى لحل المشكلة، فإن الرئيس ترامب لا يهتم بالخسائر المحتملة للمعركة، قائلاً: «حينما تكون متأخراً (في الميزان التجاري) بـ500 بليون دولار، لاتهمك الخسارة» ، مشيراً إلى «أن هذه الحرب خسرها بالفعل أشخاص حمقى وغير أكفاء كانوا يمثلون الولايات المتحدة منذ أعوام».

لا شك في أن انتقادات ترامب تشمل سلفه باراك أوباما الذي حاول تسجيل أكبر انتصار له قبل نهاية ولايته الثانية بتوقيع اتفاق «الشراكة عبر المحيط الهادئ»، محذراً من أن أي تأخير أو فشل لهذا الاتفاق يفقد أميركا أسواقاً حيوية لمنتجاتها، ما يصب في مصلحة الصين، ومؤكداً «إن لم نكتب نحن القواعد، فإن الصين ستكتبها في المنطقة، أما في حال تم توقيع الاتفاق فعلاً، وأخذ طريقه نحو التنفيذ، فإنه سيكون ضربة قوية للطموح الصيني». ويشمل الاتفاق 12 دولة هي أستراليا وبروناي وكندا وتشيلي واليابان وماليزيا، والمكسيك ونيوزيلاندا والبيرو وسنغافورا وفييتنام، إضافة إلى الولايات المتحدة. وعلى رغم أن السبب المعلن لاختيار الدول الأعضاء هو وقوعها على جانبي المحيط الهادئ، إلا أن السبب الحقيقي هو قطع الطريق على الصين ومنعها من الاستحواذ على الجزء الأكبر من التجارة الحرة مع هذه الدول والتي تشكل أكبر اتفاق في تاريخ العالم، إذ يبلغ حجم مستهلكيه 770 مليوناً، ويمثل اقتصاده 40 في المئة من إجمالي الناتج العالمي، وتستحوذ تعاملات بلدانه التجارية على أكثر من ثلث حجم التجارة العالمية.

لكن هذا الاتفاق إنهار في أوائل العام الماضي، حين انسحب ترامب منه بعد ثلاثة أيام من توليه منصبه ، مبرراً خطوته بأنها تهدف إلى حماية الوظائف الأميركية. وبعد سنة ونيف وبالتحديد في مطلع آذار (مارس) الماضي، وقعت 11 دولة من دون الولايات المتحدة الاتفاق، في إشارة قوية لمواجهة الحماية والحروب التجارية، ومن شأنه أن يقلص الرسوم الجمركية ويمتد إلى سوق تضم 500 مليون مستهلك. وتمثل هذه الدول أكثر من 13 في المئة من الاقتصاد العالمي، ويبلغ مجموع ناتجها الإجمالي نحو 10 تريليونات دولار، ما يجعلها أحد أكبر التكتلات التجارية في العالم.

في المقابل، تبرز أهمية تكتل دول «البريكس» الذي أنشئ عام 2001، وقد وضع استراتيجية جديدة للشراكة الاقتصادية بين الدول الأعضاء، وهي تواجه مزيداً من التحديات التي تحد من منافستها لدول الاقتـــصادات التــقليدية المتعارف عليها، خصوصاً أن لدى هذا التكتل المكون من خمس دول، فرصة ليكون أقوى تكتل اقتصادي في العالم، فالصـــين لديها قاعدة إنـــتاجية وصـــناعية كبرى ويسجل اقتصادها معدلات قياسية في النمو، والبرازيل غنية بالإنتاج الزراعي، وروسيا وجنوب أفريقيا تمتلكان موارد طبيعية ومعدنية هائلة، فضلاً عن الهند صاحبة الموارد الفكرية غير المكلفة.

ووفق بيانات البنك الدولي، بلغ حجم الناتج الاقتصادي للتكتل نحو 16.5 تريليون دولار. وبلغت احتياطاته من العملة المشتركة نحو 4 تريليونات دولار. إضافة إلى ذلك يعمل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية، إلى جانب بنك التنمية الجديد الذي أسسته المجموعة عام 2014، كبديل واضح ومنافس للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين تهيمن عليهما الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة.

ولكن أين التكتل العربي في خضم الصراع القائم بين التكتلات العالمية؟

إثر نكبة 1948 باحتلال فلسطين وإنشاء كيان دولة إسرائيل، أي منذ نحو 70 سنة، بدأ حلم الوحدة الاقتصادية يراود العرب بهدف الدفاع عن حقوقهم وحفظ ثرواتهم وتحصينها، والتفاعل مع الاقتصاد العالمي ككتلة واحدة، في وقت لم يكن في العالم أي كتلة اقتصادية، بما فيها مجموعة السوق الأوروبية المشتركة، في حين أن «الحلم العربي» لا يزال حلماً ودونه سلسلة صعوبات سياسية وأمنية على رغم أهمية أهدافه الاقتصادية والاجتماعية، لبناء الإنسان العربي.

في العقود الماضية جرت محاولات لخلق تكتلات اقتصادية إقليمية، غير أنها لم تحقق الإنجازات المطلوبة منها، وعلى رغم التقدم الذي أحرزته دول في مجال بناء مزاياها التنافسية، فإن نصيب المنطقة العربية من إجمالي التجارة الدولية بقى هامشياً ليتراوح بين 2 و3 في المئة في أحسن الأحوال.

وفي وقت تتوقع تقارير أن تشهد السنوات المقبلة مزيداً من التحولات في التجارة الدولية، يلاحظ أن العالم العربي سيستمر بالسير عكس الاتجاه العالمي، ليبقى من أقل الأقاليم التجارية تكاملاً، في ظل استمرار تواضع القواعد الإنتاجية والتصديرية، وضعف كفاءة التجارة. مع العلم أن الحجم النسبي للتجارة العربية يعتبر ضئيلاً جداً بالمقاييس العالمية، إذ يقل إجمالي ما تصدره الدول العربية من السلع والمنتجات غير النفطية، عن صادرات دولة أوروبية واحدة مثل فرنسا، فيما التجارة البينية لا تزال في حدود 10 في المئة من إجمالي التجارة الخارجية.

 

* كاتب متخصص بالشؤون الاقتصادية

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة