|   

النسخة: الورقية - دولي

تستضيف الظهران يوم 15 نيسان (أبريل) الجاري، مؤتمر القمة العربي التاسع والعشرين، وسط أجواء إقليمية ودولية خطيرة تَصَاعَدَت فيها حدّة الخلافات، وتَفَاقَمَت النزاعات المسلحة، وتكاثرت الأزمات التي تعوق مسيرة التنمية الشاملة المستدامة في العالم العربي. ولأن المملكة العربية السعودية تستضيف القمة العربية، فإن هذا مؤشر إلى أن فرص النجاح لها ستكون متوافرة بشكل كبير، نظراً إلى المكانة المتميزة التي تحتلها داخل المجموعة العربية، واعتباراً لدورها المحوري في السياسة الإقليمية والدولية.

إن القمة العربية التي يتطلع إليها العرب والعالم أجمع، لحساسية المرحلة التي تنعقد فيها، مطلوب منها أن تبدّد السحب التي تملأ السماء العربية وتحجب الرؤية إلى حقائق الأشياء وطبيعة التحدّيات الصعبة التي تواجه الدول العربية كافة، وأن تُزيل الأسباب التي تمزق الصف العربي، وأن تضع القواعد الجديدة لإعادة الوفاق العربي، وتعزيز التضامن بين الدول العربية، لمواجهة المخططات التوسعية والتنظيمات الإرهابية والمؤامرات الأجنبية التي تهدد الأمن والسلم في المنطقة العربية وفي غيرها من مناطق العالم. ولذلك فهي فرصة مهمة للعمل المشترك الجادّ على تقوية التعاون العربي وإيجاد مسار جديد له، لحماية المصالح العربية العليا التي لا بد أن تكون موضع إجماع عربي، يحمي استقلال الدول العربية، ويصون وحدة أراضيها، ويحقق أمنها واستقرارها.

ونظراً إلى هذه الاعتبارات جميعاً، فإن قمة الظهران لا بد أن تختلف عن القمم العربية الأخرى، من حيث الشكل والمضمون بما يتناسب مع تعقيدات الواقع الحالي وخطورته، لتكون قمة الانطلاق نحو آفاق جديدة من التعاون العربي- العربي الذي يقوم على الاحترام المتبادل لسيادة الدول العربية، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لها، وعدم المساس بمصالحها أو الإضرار بأمنها القومي في أيّ شكل من الأشكال، والعمل على تطوير ميثاق جامعة الدول العربية، وجعله يواكب المتغيّرات المتسارعة، ويتجاوب مع المتطلبات الملحة الحالية، وإعادة هيكلة أمانة الجامعة وتفعيلها وتقوية أجهزتها المختلفة، بحيث تتحرك الجامعة، من مؤسسة القمة إلى المجلس الوزاري إلى مجلس المندوبين إلى الأمانة العامة، في اتجاه خدمة المصالح العليا للدول الأعضاء، ولبدء مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك برؤية عربية جديدة تنفذ إلى الآفاق الواسعة، ولا تغفل عن متطلبات التعامل مع التحدّيات والتغلب على المعوّقات وتجاوز المثبطات بفكر عربي جديد.

لقد تغيرت أمور كثيرة منذ انعقاد قمة عمان الثامنة والعشرين، كما تطورت الأحداث في المنطقة العربية بشكل متسارع، وحدثت وقائع مفاجئة ونشأت متغيّرات لم تكن متوقعة، وتبدّلت صورة العالم العربي عما كانت عليه من قبل، ما يقتضي بالضرورة أن تتغيّر أساليب العمل العربي المشترك بتغيّر العقليات وتجدّد الإرادات، وأن تكون مؤهلة للتعامل مع المستجدات، إذ يرتقي العمل العربي المشترك إلى مستوى التهديدات التي لا تزال تَتَفَاقَمُ باطراد. ولا يمكن أن يحدث هذا التغيير بين عشية وضحاها، ولكن يمكن أن تكون القمة العربية الجديدة قمة الأمل، تبدّد سحب اليأس، وتزرع الثقة في النفوس، وتؤذن ببزوغ فجر عربي جديد.

إنّ العالم العربي مستهدف من جهات عدة، والمصالح العربية مهددة من أطراف لها أطماع شرسة، والمخاطر تحف بالدول العربية من كل جانب. ولذلك لا يستقيم عقلاً أن تنتهي القمة العربية كما تنتهي القمم العربية عادة. ولذلك فإن رئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لهذه القمة، سوف تدفع بالدول العربية إلى مرحلة أكثر تقدماً في الاتجاه الصحيح، وتفتح آفاقاً مترامية الأبعاد أمام العمل العربي المشترك، لمواجهة التهديدات الإرهابية، وللتصدّي للأطماع الأجنبية التي لم تعد تخفى على أحد، ولحماية سيادة الدول الأعضاء وصون سلامتها الإقليمية وضمان أمنها واستقرارها. وهذا هو أحد التحدّيات الكبرى التي سيكون على القمة العربية أن تَتَعَامَلَ معها بما يلزم من حكمة وحزم وحسن تصرف.

ومن الواضح أن القضية الفلسطينية ستكون هي المحور الرئيس للقمة العربية، لأنها قضية مركزية باتت مهددة بأخطار جمة، بعضها يتمثل في ما يروج من لغط كثير حول ما يعرف بـ «صفقة القرن»، التي يراد بها، كما يتردد، تصفية القضية الفلسطينية ما يؤدي إلى ضياع حقوق الشعب الفلسطيني. ومن أجل ذلك يتعيّن على القمة أن تعلن عن موقف عربي واضح وصريح إزاء هذه المشكلة المعقدة، يقوم على أساس التأكيد على قرار القمة العربية في بيروت سنة 2002 بشأن التسوية السياسية للصراع العربي- الإسرائيلي على قواعد القوانين الدولية، ومساندة موقف السلطة الفلسطينية بقيادتها التي تمثل إرادة الشعب الفلسطيني، وتعزيز التحرك العربي على الصعيد الدولي بهذا الخصوص، ودعوة دول العالم إلى التوسع في الاعتراف بدولة فلسطين.

وحتى يمكن تحقيق هذه الأهداف التي تجتمع حولها الدول العربية، يتوجّب أن تكون قمة الظهران قمة الأمل. فقد بلغَ السيلُ الزُّبى.

 

 

* أكاديمي سعودي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة