|   

النسخة: الورقية - دولي

كيف ستحدد المجتمعات دورها وتنشئ القيم والاتجاهات والأفكار السياسية والاقتصادية في ظل صعود الفردية الذي تبشر به الشبكية؟ الحال أن المجتمعات تعرضت للإضعاف والتفكيك بفعل تغول السلطة والشركات والحروب، ولم تعد تملك السيادة التي بشر بها فولتير وتوماس هوبز من وجهتي نظريهما، ذلك أنهما على رغم اختلافهما الكبير اتفقا على أن المجتمعات تحدد الأهداف السياسية واستخدام الموارد الاقتصادية وتنشئة الفاعلين الاجتماعيين ومعاقبة المنحرفين والخارجين على القانون.

لكن الدولة التي تغولت على المجتمعات وألحقتها بها تتعرض هي أيضاً للتغول والتفكيك والبيع والشراء، تسلطت على الأنظمة السياسية والتشريعات جماعات من المرابين والمجهولين والجائلين والقراصنة. ومتسلطون كثر جدد ليسوا مواطنين في الدولة التي يتسلطون عليها، صارت الهيمنة على السياسات والمؤسسات الوطنية بما فيه الموانئ والمطارات شركات وشخصيات أجنبية غير مرئية وغير معروفة تماماً. حتى الانتخابات الأميركية أصبحت عرضة لتأثير واختراق هذه الشركات الجائلة!

وكما أن الجديد لا يصنع من الجديد بل من القديم كما يقول آلن تورين، فقد تشكلت الحداثة بفعل مكونات لا اجتماعية فرضت على المجتمع الخضوع لمبادئ أو قيم ليست اجتماعية، الحريات والحقوق الفردية، والعقلانية الاجتماعية والأخلاقية، ويبدو ذلك كأن المجتمعات التي أنتجت هذه الفردية وأدخلتها في التنشئة الاجتماعية تعمل ضد مبادئها المفترضة في تنظيم الناس وتشكيلهم وفق مبادئ وقيم جماعية شاملة، كما يتعارض أيضاً مع مبدأ وحي إلهي لتنظيم المجتمعات ووجود سلطة روحية تهيمن على السلطة السياسية الزمنية. لكن تورين يقر أيضاً بأن هذا الوصف أصبح تاريخياً، ولم تعد مجدية الحلول التقليدية والمجربة لمواجهة التحولات الكبرى الجارية وتحدياتها، فقد تكيفت الحضارة والمجتمعات الصناعية وفق متواليات معقدة تبدو متناقضة، من الجدال بين المنفعة والحقوق - المبادئ، ومن ثم التكيف مع أوضاع متقلبة وغير محددة وتخرج عن نطاق سيطرتنا، من دون المساس بالفكر العقلاني والحقوق الإنسانية، أو الجدال الحر بين الحداثة والواقع القائم، ففي حاضر متفتت متغير يتغير أيضاً معنى الحداثة، أو الجمع بين الفردية والخصوصية في الفكر والدين وأسلوب الحياة وبين التنظيم الاجتماعي والتعليمي الذي يتجاهل الفردية وتعدد الثقافات والخصوصيات.

لم يعد ذلك يصلح، يقول تورين. فالمجتمع يتفتت، مفسحاً في المجال لتقدم غير منضبط لقوى جديدة، هي قوى السوق والحرب والعنف من جهة، وقوى الحداثة المشكلة العقلانية والحقوق الإنسانية الشاملة من جهة أخرى. وفي ذلك، فإنه يدعو إلى مقاطعة جميع الأفكار المرتبطة بالدفاع عن النظام الاجتماعي الذي يستطيع أن يكون ويفرض قيماً ومعايير وأشكال سلطة وأن يحدد أوضاعاً وأدواراً، لأن الحداثة هي النقيض لخلق المجتمع ذاته. ويقول: هناك قوتان لا اجتماعيتان تظهران على أنقاض الأنظمة الاجتماعية، هما قوى السوق والعنف والحرب، وقوى الحقوق والعقل، ولم يعد تاريخنا يتحدد بوجهة سيره ونقطة وصوله المحتملة ولا بروح عصر أو شعب، بل بتصارع قوى طبيعية، هي قوى الأسواق والحروب والكوارث مع الحداثة، مع الذات الفاعلة.

وكما انفصلت المجتمعات عن المؤسسات الدينية لتنشئ الحضارة الصناعية، فإن الذات الفاعلة تنفصل في الحضارة الشبكية (سوف تنفصل) عن المجتمعات لأجل خدمة الحرية الخلاقة لكل فرد، ولتواجه العنف والهيمنة والاتجاهات السوقية والاستهلاكية متحررة من الانتماءات والقواعد المفروضة، ذلك أن قوى السوق والعنف التي أضعفت المجتمعات والدول أتاحت في الوقت نفسه للذات الفاعلة أن تعمل وتتحرك مستقلة بذاتها، وأن تكون أكثر قدرة وتأثيراً، بل وتستغني عن المجتمعات لتنشئ مجتمعات جديدة لا اجتماعية!

 

 

* كاتب أردني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة